الخميس، 7 مارس 2013

مسرحيات عربية للاطفال


(سألت الشيخ عبد ربه :
ما علامة الكفر؟
فأجاب دون تردد: الضجر. ) ـ أصداء السيرة الذاتية ـ نجيب محفوظ
الفصل الأول :
الفضاء ( مقبرة ودخان يتصاعد من الحفر)
في النقطة السوداء من الركح ، وقف طفل في عراء مطلق في صمت يتأمل الجمهور .
يحمل علبة تلميع الأحذية . سجين دائرة ضوئية . تنخفض أنغام آلة السنتير
تدريجيا. يتعالى صوت الطفل متمايلا مع جرح فوضى الأعماق :
ـ غيوم ….غيوم الوقت قطرة نار .سقطت وجرف السيل الأحمر القاني ، البشرالنخيل
و الرمال . ملعون مولود زمننا ، يخرج من الرحم شيخاعلى كتفه نعشه وهو يحلم
يمشي…ويمشي.. ملعون هذا الحيوان لايحسن إلا قدف البؤس والمسخ الى الشارع….
( يشير الى نفسه ) ها العربون .
رأيت المعابد منارة مقلوبة….
منها السيف ومنها الوردة : حولها يحوم الذباب وكل ذبابة يخيل إليها قبحها ،
قزميتها في جمال قامة غزالة . وأنها أقرب الكائنات الى الله .
ورأيت ذئبا وراع في ميزان .والضحية بإسم الظل الممدود والماء المسكوب ، هيئت
الوريد لدبح .
هل هي علامة من علامات الساعة ؟
عقاربها عقرب يلدغ زمننا .وكل واحد منا يحمل قبره ويطوف بين الأنقاض . باحثا عن
حفرة يواري ترابها حقارته .
ورأيت رجالا شواربها مشجاب قذارة ، تحت الذقن وشم . بيته سوق عهر .
ضحك الجمهــــــــــــــــــــــــــــــــــــور ؟؟؟؟؟
الطفل حافظ على صرامة هدوئه وأضاف :
ـ أبي الأصم الأبكم سرقوه منا من تحت سقف هدوئنا … ألبسوه خوذة و سلموه
بندقية .
الى جانب من يحارب ؟ وضد من سيحارب ؟ ولماذا ؟.هولا يعرف وجها لعدوه . ولا
أعداء له أصلا إلا من حرموه حق الحياة .علموه الرماية ولما تعلم رمى نفسه .
سخرية لقبوه : البطل الشهيد .
أمي مقعدة ولها ثلاثة أطفال …الأوسط حفظ جدول الضرب بالضرب ، منحوه ورقة وقيل
له : من اليوم أنت ممثل ( يشير الى نفسه ) هو لايفقه حروز وطلاسيم ما حفظه من
كلمات . قيل لي أنها حكم ومعاني تحرك وتزعزع الجبال ( طز )
ضحك الجمهــــــــــــــــــــــــــــــــــــور ؟؟؟؟؟
الصغير….آه لصغير….أكيد هذا إرثه ( يشير إلى علبة تلميع الأحذية ) لأسيادكم
……..
لهيه ( يشير الى الفوق ).يلمعون أحديتهم ألف مرة في اليوم ، تمنيت لو لمعوا
عقولهم القذرة العجوز الشريرة ثانية واحدة في السنة .
ضحك الجمهــــــــــــــــــــــــــــــــــــور ؟؟؟؟؟
أما البكر ….حالة للهو تماما ، يتأبط كتبا الأحمر منها والأصفر . كل كراسي
الحانات تعرفه ..يبيع تمزقات أعصابه في سلة ، هواءها ترنح كلمات مقابل قنينة
جعة . عاهرة الزمن الحديث .على الأقل من قدمت جسدها للبيع ، لها حكاية جرح جوع
غائر عميق …وحده مهراز ومهماز الوقت : اللجام .
ضحك الجمهــــــــــــــــــــــــــــــــــــور ؟؟؟؟؟
غضب الطفل وخرج الى الشارع يعدو…..عندما وصل الى بيته ، وجد أمه المقعدة
تلاعب طعريجة وتردد أغاني ساقطة ومن حين لحين تزغرد…وجد الصغير يراقصه عجوز
من بلاد الثلج في عراء مطلق . والكبير يلتقط في حالة عربدة خمر مطلقة ، يلتقط
صورا للعراء …ربما ذكرى للعجوز ، يعود إليها كلما شده الحنين الى …..
الفصل الثاني :
عاد الطفل الى قاعة المسرح ليقص ماحدث . وجد الجمهور قد فقد توازنه من كثرة
الضحك . ولأنه إختار أن يكون ممثلا ، بصق في الهواء …..على نغمات أوجاع آلة
السنتير…إستلقى وبالضبط في النقطة السوداء من الركح ، سجين دائرة ضوء : ضاحكا
.
صفق الجمهور طويـــــــــــــــــــــــــــــــــويلا ……
الفصل الأخير :
في الكواليس وجدوا جسده في الهواء يتمايل مع ريح لغط الجمهور وهو يغادر قاعة
المسرح .
في جيبه وجدوا ورقة صغيرة وخربشات كلمات وقالت الأذان التي لا تتعب من لعق
هفوات البشر :
تقول الورقة :
* في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ….
لهم زلازل ، فيضانات ، قحط ، جوع ، سعار ، ضجر ، وحروب…وحروب…وحروب…*


مسرحية طابور الحرية
الفصل الأول


يصحو صاحبنا مذعورا.. يهرول ناحية الباب ، ما هذه الأصوات العالية؟.. يفتح الباب.. صراخ وزحام وأناس من كل شكل ولون يصطفون جميعا فى طابور طويل ينتهى آخره عند قدميه.. يحاول صاحبنا أن ينظر إلى بدايته فلا يسعفه بصره.. فقد إنتهى أثر الطابور عند إنطباق الأفق.. نهش الفضول قلب الرجل ففرك عينيه بيديه ، ومدّ رجله خطوة فأصبح هو آخر من يقف فى الطابور.. ثم بدأ حديثه مع الذى يقف أمامه لعله يفهم شيئا..
-
ما هذا .. ماالذى يحدث هنا بالضبط؟! (فلم يرد عليه

-
يا أخ.. إيش هذا الطابور الطويل؟ ومتى اصطف كل هؤلاء؟!

-
هل أنت من أهل الكهف؟.. منذ كم سنة و أنت نائم فى بيتك؟

-
نائم منذ الأمس فقط.. ولم أشعر بالذى يجرى إلا عندما انتهى الدورعندى.. فوجدت آخركم يقف عند بابى

-
يا حبيبى كل الناس تقف الآن فى هذا الطابور، هذه أوامرعليا

-
أوامر..!! ممن ؟ ولماذا يصطف الناس هكذا؟

-
لا أدرى..!

-
لا تدرى..! كيف لا تدرى؟

-
أظنهم -والله أعلم- يغيرون البطاقات الشخصية لكل المواطنين ، فأرادوا أن يجمعونا فى مكان واحد حتى ينتهوا من قرفنا مرة واحدة (ثم أدار الرجل رأسه للأمام وسكت
(صوت يأتى من الأمام مخاطبا صاحبنا و مستنكرا على الرجل الذى يقف أمامه

-
بطاقات شخصية..؟! يا جاهل هذا طابوراللحمة!.. يوزعون على الناس لحما و مرقا.. وعسلا ، وكله مجانا لوجه الله

- (
يصرخ آخر من مكان بعيد) يا ناس ياهوووه.. عسل ولحم.. ولوجه الله كمان!.. كيف يعطى لوجه الله من لا يعرف الله؟!.. يا مغفلين هذا طابور التوظيف ، كل من يقف فى هذا الطابور سيعطوه وظيفة محترمة.. وكمان إيه بمرتب جيد.. هكذا سمعت

- (
صوت آخر يأتى من مكان متقدم فى أوائل الصفوف) ما هذا الطابور الذى لا يقف فيه إلا الأغبياء!.. بطاقات؟... لحم وعسل؟.. وتوظيف براتب!!؟ أين عقولكم يا بشر؟ هذا طابور الزواج .. كل من أراد الزواج سيزوجوه ويتكفلوا بالمهر و خلافه.. هكذا أقسم لى أحدهم.

- )
صاحبنا يحدث نفسه) يبدو أن كل الواقفين هنا عرب ، فلم أسمع أى كلمة بلغة غير العربية ، ومن الواضح أن الكل لا يفهم شيئا ولا يعرف حقيقة الذى يحدث!

- (
يسمع صوتا قريبا يأتى من خلفه شعر بحرارته تلسع قفاه ، فإلتفت فإذا بشخص آخر يصفّ نفسه ورائه فى الطابور..يقول فى لهفة وفرح) أنا أحدثك بالخبر اليقين.. سمعتهم فى التليفزيون يقولون مرارا إن هذا هو طابور الحرية!

- (
ينظر صاحبنا إليه متعجبا مذهولا) إيش تعنى بطابور الحرية؟.. وهل الحرية لها طابور؟

-
هكذا قالوا بالحرف الواحد.. إذا أردتم أن تكونوا أحرارا فصفوا أنفسكم فى هذا الطابور الطويل.. ولا أخفى عليك.. أنا لم أذق طعم هذه الحرية منذ أن ولدت ، فجئت مهرولا لعلى أحصل على شئ منها

(
نظر صاحبنا يمينا و يسارا فرأى عددا كبيرا من سيارات الأمن و قوات عظيمة مدججة بالأسلحة تحرس حدود هذا الطابور.. و بدافع الفضول قرر صاحبنا أن يحتفظ بدوره إلى النهاية ليعرف ما هى حقيقة هذه القصة

(الفصل الثانى


مرّ زمن طويل وصاحبنا يتقدم دوره ببطئ شديد.. خطوة بعد خطوة ، حتى بدأ يلوح فى الأفق بداية هذا الطابور.. الشئ الذى يؤرق صاحبنا منذ فترة طويلة هو هذا الإنفجار الذى سيحدث فى مثانته قريبا ، فقد مر أكثر من عشرين عاما منذ أن أخذ دوره فى هذا الطابور المشئوم.. ولا يستطيع أن يترك مكانه ليقضى حاجته ، فقد جرب كثير ممن كانوا أمامه أن يفعلوا ذلك.. فقتلتهم قوات الأمن التى تحرس الطابور رميا بالرصاص.. بحجة أنهم مثيرى شغب ويثيرون القلاقل والفوضى فى الصفوف.. نظر صاحبنا للرجل الذى أمامه و تحدث معه..
-
أشعر أن أحشائى ستنفجر.. كم أنا أحمق ، ماالذى دعانى لهذا الضنك؟.. قتل الله الفضول

-
هون عليك يا صاحبى فغدا نصل للنهاية وتتحقق عندها كل أمنياتنا و تحلّ كل عقدنا المزمنة.. فهم يقولون أن الحياة الجديدة عند أول هذا الطابور أشبه بالجنة.

-
أنا لا أرى إلا العرق و التعب ولا أشعر إلا بالضنك.. ولا أسمع إلا الصراخ و الألم .. ولا يزكم أنفى إلا رائحة الأجساد المشوية ، وبصراحة شديدة لا أظننا نسير إلى خير

-
يا شيخ كن متفائلا.. أكل و شرب وزواج ووظيفة بمرتب .. وفوق هذا حرية ، كيف لا تستشعر هذا و تراه.. خذ نصيحتى.. كلما عاودك هذا الإحساس الكئيب فكر فى ما ينتظرك غدا من سعادة وهناء.

-
يبدو أنك جربت هذا بالفعل وجاء معك بنتيجة جيدة.. فلا أراك تتلوى كما نتلوى جميعا من الألم!.. منذ متى و أنت تقف هنا؟

-
منذ خمسين سنة.. ولم أشعر بأدنى تعب.. لأننى ببساطة لا أفكر إلا فى السعادة التى تنتظرنى

-
حسنا.. سأحاول ان أفعل ذلك ، لعله يخفف عنى ما أجد

يمر زمن آخر طويل حتى وصل الدور بصاحبنا للبداية ، بعد أن دخل كل من كان أمامه هذا المبنى الجميل.. المزين بألوان براقة فاقعة ، وقد رفع أعلاه يافطة كبيره مكتوب عليها بالعربية (الحرية شعارنا والديموقراطية هدفنا).. مشى صاحبنا حتى الباب ففتحه و دخل.

(الفصل الأخير


ما أن دخل صاحبنا حتى أغلق الباب أوتوماتيكيا.. فنظر ورائه فلم يعد يرى الباب ، ذاب وإختفى فى هذه الحوائط العالية.. نظر أمامه فوجد مجموعة من الناس يقتربون منه وقد علت وجوههم البشاشة و السرور، تدل ملامحهم على أنهم ليسوا من العرب مع أنهم يتكلمون معه بلسان عربى فصيح..
-
أهلا و مرحبا بطالب الحرية.. تفضل بالداخل<o


(
يمشى صاحبنا وقد إنقبض قلبه حين رأى قدميه تغوصان فى أكوام من الدماء و الأشلاء.. لم يعطوه فرصة للتفكير ، فقد كانوا يدفعونه دفعا.. ثم تحدث إليه أحدهم
-
هاه.. ماذا تفضّل يا عزيزى؟.. كهرباء.. ساطور.. مفرمة.. خازوق.. سم فئران ، كل شئ موجود.. وتذكر دائما أن الإختيار إختيارك ، فنحن لا نتدخل فى الأذواق الشخصية

- (
يرد صاحبنا و قد إصفر وجهه و تملك الذعر من قلبه) شكرا جزيلا.. ولكن حقيقة أنا لا أفكر فى شراء أى شئ الآن ، بالإضافة إلى أن ما أملكه من نقود قد إنقطع العمل بعملته من سنين.

- (
ينظر العلوج بعضهم إلى بعض فى دهشة و إستنكار.. ثم يوجه أحدهم كلامه لصاحبنا فى حدة) هل تظن نفسك فى المول يا أحمق؟.. خلصّنا فلا نريد أن نضيع مزيدا من الوقت ، هناك طابور طويل ينتظرنا.. إختر الوسيلة التى تفضل أن نحررك بها من حياة الذل التى تعيشها أيها البائس؟.. لديك الحرية المطلقة فى إختيار مايناسب ذوقك ، وسنعطيك فى النهاية هدية قيّمة.. صورة تذكارية لرأسك المحررة تحملها بين يديك وقد وضع كل منا أصبعه فى أنفك.

-
هل هذه هى الحرية التى إنتظرناها عشرات السنين فى طابور طويل ممل ، عانينا فيه من كل شئ و ذقنا فيه الهوان

-
وهل كنت تتوقع شيئا آخر؟!.. لا نستطيع أن نقدم لكم غير ذلك؟ فأنتم لا تحبون تلك الحرية الأخرى ، التى نتحرر فيها من ملابسنا و معتقداتنا وجذورنا.. ومن كل شئ .. فماذا تريدون منا

-
وماذا عن الديموقراطية؟ أين هى يا قتلة يا مجرمون يا من خدعتمونا و سقتم أجيالنا إلى المقصلة وجعلتم مصيرنا أسوأ من مصير الخراف.

-
أرأيت..؟! هاأنت قد تكلمت بحرية ، فشتمتنا.. وعبّرت عن رأيك بصراحة شديدة ونفثت عن غضبك دون أن نتدخل أو أن نمنعك من ذلك.. ولم نعاقبك بالسجن أو بالتعذيب كما يفعل المتجبرون المتسلطون على رقابكم فى بلادكم.. فأى ديموقراطية تريد أفضل من ذلك؟

-
كان عليكم أن تعطونا هذا الإختيار قبل أن نصل إلى هنا.. فتعرفونا بحقيقة الحرية التى إخترتموها لنا ، أليس كذلك؟

-
نحن فعلنا ذلك و طبعنا لافتات و منشورات توضح حقيقة نوايانا.. وعلقناها فى كل مكان ، ولكن يبدو أن قوات الأمن المنتشرة على طول الطريق كانت تنزعها ليلبسوا عليكم الأمر.. فلا عذر لك عندى. (صوت المقصلة يهوى على رقبة صاحبنا

-
والآن بعد أن قطعتم رقبتى و بعثرتم أشلائى.. هل لكم أن تدعونى أفرّج عن مثانتى المحتقنة منذ سنين... فى وجوهكم













الإرهابي
مسرحية قصير في فصل واحد (حوالي 7 دقائق)


الشخصيات :
- الجزائر
- الإرهاب
- بلد أجنبي
- رجال الأمن
- رجال العلم و العمال
- الطفل
- الخائن
- الراوي (صوت فقط مسموع في بداية المسرحية)

يصعد على المنصة كل من الشخصيات الممثلة للإرهاب ، رجال الأمن ، رجال العلم و العمال ، الطفل و الخائن ، و الكل يضع على صدره لافتة تحمل إسم الشخصية ، يمشي كل منهم في اتجاهات مختلفة في حين يتحدث الراوي :

الراوي : من كان يقول أن الجزائر ستصبح على ما هي عليه اليوم ؟ ..
بعدما كافح أبناءها عليها مدة قرن و اثنتين و ثلاثين سنة و سقت دماءهم أرضها و جعلوا للحرية و الأمن مكانا فيها !

يقف الممثلون في نصف حلقة متباعدين قليلة ، صوب الجمهور و يبدأ الحوار

الإرهاب : سأحطمكم يا أبناء الجزائر ، سأسحق كبرياءكم ، سأريكم ما لم تروه ، سأرجعكم إلى عهد فرنسا و حربها و ذلها و هوانها و تخويفها و تقتيلها ..، أنا هنا لأستولي على أمكم على الجزائر و أنتزع منها الأمن و الأمان ..جزائركم العزيزة! ها !ها! ها!

رجال الأمن : (مخاطبا الإرهاب) لن تستطيع أنا هنا لإيقافك و سحقك ، الجزائر لنا ، نعم لنا و لن تكون لغيرنا ، يا أيها النذل الحقير ، يا أيها المتجبر الظالم المستبد.

الإرهاب : أحقا ؟ ها ها ها قتلتك و لا أزال أقتلك حتى تزول أنت و أمثالك ممن تحبون هذه التي تسمونها أمكم الجزائر !!!

رجال العلم و العمال : (مخاطبا الإرهاب) أصمت تقتلنا و نحن الذين تبنى على سواعدنا البلاد ، و تريد إغتيال وحدتنا و أخوتنا ..و لكن لا لن تستطيع ..لن تستطيع قتل ضمير الأمة الإسلامية ، لن تستطيع طمس الشخصية الجزائرية، يا أيها الذي تنادي بالإسلام و أنت لست له وليّا، الإسلام واحد لا عدة الإسلام سلا و نور و أخوة و رحمة ، لا تشتت و اضطهاد و ظلمة

الطفل : و أنا.. قتلت أبي و حطمت عائلتي ، شردتني ، جعلت أمي تبكي ليال و ليلي ، جعلت أحلام طفولتي تحلق و تختفي ، جعلت البراءة في تندثر . لن أتركك ، لن أتركك تكمل ما بدأت ، سأدمرك ، سأثر لأبي و لكل من أسلت دمه.

بعد صمت و تغيير للأماكن يتقدم الخائن

الخائن : أنا سبب المرض الذي يصيب كل أمة ، سأفعل كل ما في وسعي لأتحصّـل على ما أريده ، سأتعاون مع كل من يمدني بالمال الوافر ..حتى لو كان عدوّ الجزائر

تتقدم كل من شخصيات : رجال الأمن ، رجال العلم و العمال ، الطفل مخاطبين الخائن في نفس الوقت قائلين :
"و دينك ؟ وبلدك ؟ و ضميرك ؟ ..."

الخائن : (ساخرا) ها ها ليس لي ضمير ..و بلدي ؟ بلدي لم يعطني إلا القليل ، لا أأبه لأحد ..لا أخاف من أحد ، أعمل المستحيل لتحقيق سعادتي حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين !

تدخل شخصية الجزائر ( لا تضع لافتتة باسم الشخصية بل مرتدية زيا أبيضا وواضعة العلم الوطني على صدرها)و تقول مخاطبة الإرهاب و الخائن :

الجزائر : لستما ابناي أتبرؤ منكما لست لأكون أما لمن يقتل إخوانه و يبيع وطنه ، أين شجاعة" بوعمامة" فيكم ؟ أين أنفة و تدين "ابن باديس فيكم" ؟ أين إخلاص "البشير" (الإبراهيمي) فيكم ؟ أين إقدام "ابن مهيدي" فيكم ؟ أين بأس "الأمير عبد القادر" فيكم؟ أين و أين و أين ؟ ؟ ؟
لم يتقاتل أبنائي فقط بل خانوني أيضا ، تحالفوا مع عدوي و هم يتجاهلون ما يصبوا إليه ، يزعمون أنهم يقومون بهذا من أجل حلّ مشاكلي تحت إمرته و هم يعلمون أن حلها بين أيديهم بالإرادة و العمل متوكلين على الله

ثم تتجه مخاطبة الجمهور :

الجزائر : لا أريد أن أرى فيكم التشتت و الجهوية ، فكل من يحمل اسم جزائري هو أخ لجزائري آخر ، لا أريد منكم أن تتناسوْا أصلكم الإسلام و العروبة و أجدادكم و مبادئهم التي هي مبادءكم أيضا
تعاونوا تراحموا تآزروا تــ...

و تتدخل شخصية "بلد أجنبي" مقاطعة" الجزائر"

بلد أجنبي: سأقهرك ، سأقهرك يا جزائر أنت و أشباهك ..عاجلا أم آجلا !!!

يقف كل من الخائن و الإرهاب بجنب البلد الأجنبي ، ثم تتحدث في نفس الوقت كل من الشخصيات : رجال الأمن ، رجال العلم و العمال و الطفل و هم بالقرب من الجزائر ، مخاطبين البلد الأجنبي

الأبناء : لن تستطيع ، نحن حماتك يا بلادي ، نحن أملك يا بلادي ، ما دامت قوة الإيمان توحد قلوبنا و نور الإسلام يضيء طريقنا

ثم ينزع كل الممثلون الشعارات المعلقة على صدورهم (بما فيهم الإرهاب ، الخائن و البلد الأجنبي) و يتقدمون في صف واحد تتوسطهم شخصية الجزائر منشدين : نشيد "لتحيى الجزائر"

النشيد

لتحيى الجزائر *** و شعب الجزائر
غضوب و ثائر *** على الغاصبين

شعب الجزائر شعب أبيّ *** و ماكان يوما سوى عربي
برغم العدوي الخبيث الدعيّ *** و رغم المدافع و الطائرات

صوت الجزائر يعلو النداء*** قويا كأبنائه الأقوياء
ألا فاقدموا في سبيل الفداء*** صفوفا صفوفا إلى التضحيات

لقد حاولوا هدم أركاننا *** و لكن فزعنا بإيماننا
و جئنا ندون لأجيالنا***صفوفا صفوفا إلى المعركات

غدا سوف يلقون شر الجزاء *** بما سفكوا من زكي الدماء
فإنا شهَرْنا و سرنا سواء***و جئنا على الدهر بالمعجزات

لتحيى الجزائر *** و شعب الجزائر
غضوب و ثائر *** على الغاصبين

ثم يصرخ الجميع : لحيى الجزائر !!!

(النشيد من الأناشيد الثورية من عهد الاستدمار الفرنسي)










أي وجدان..
أأنتِ وجدان الطفلة
أم وجدان الوطن
سيان فأنت طفلة الوطن
اغتالتك يد الغدر
قتلتك أفكار منحرفة
وأدت بسمتك المشرقة
أحزنت فؤاد أمك
أحرقت قلب أبيك
أسخنت عيون أخوتك وأخواتك
فقدك الوطن بأسره
أنت رمز الطفولة البريئة
يتساءل الكل
رجال ونساء
شباب وفتيات
لماذا.. سؤال كبير
حتى أولئك الأوغاد لا يملكون الجواب
فكر منحرف ونظر قاصر
بأي دين وملة يستحلون دم الأبرياء
لم يتلذذون بإراقة الدماء وقتل العزل
بأي منطق يفكرون
وأي عقل يحكمون
عن أي جهاد يتحدثون
قاتلهم الله
قتوا الإبرياء
رملوا النساء
يتموا الأطفال
هدموا المباني والدور
وروعوا الآمنين
جرحوا المواطنين والمقيمين
اختاروا الأخ والصديق
فهل هم العدو المبين
أي شهادة ينشدون
وأي كرامة يزعمون
وأي عزة يتشدقون
قاتلهم الله
سبيقى الوطن آمناً
بديننا الحنيف
ثم بدعاء المخلصين
وبحكامه رجاله
بمواطنيه ومحبيه
كلنا جنوده رجال ونساء
شباب وفتيات
صبيان وبنات
أرواحنا فداؤه
أجسادنا دروعه
أموالنا سلاحه
كلنا للوطن
أي وجدان..
ستظلين في الوجدان
وسيبقى الوطن شامخاً
ستستمر العجلة والقافلة تسير
لن يعيقنا نعقهم وغمزهم في الليل
أي وجدان..
ستظلين في الوجدان
وسيظل الوطن شامخاً
زمزنا وعزنا للأبد















مسرحية المحاكمة

في مدينة ميونيخ:‏
قاعة فسيحة الأرجاء. عالية الجدران. على السقوف رسوم هندسية عتيقة. تتصدر القاعة منصّة تشبه خشبة المسرح. تتوسطها منضدة عالية مستطيلة الشكل.‏
يجلس إليها ثلاثة قضاة كهول. عن يمينهم محامي الدفاع، وعن شمال النائب العام. الفدائيون الأربعة في قفص على الجانب الأيمن، غير بعيد من المنصة. جمهور النظارة، من الجنسين، ومن أعمار مختلفة يملأ القاعة في مواجهة المنصة".‏
القاضي : (بعد أن يسود الصمت، يتحدث بصوت جهوري عبر ميكروفون)‏
تقوم هذه المحكمة، أيها السيدات والسادة، بمهمة محاكمة عدد من الإرهابيين قاموا بأعمال إجرامية فوق الأراضي الألمانية. منتهكين بذلك سيادتها ومتسببّين في الإخلال بالأمن فضلاً عن إحراج حكومتنا تجاه دولة صديقة. ومما يزيد هذه الجريمة بشاعة قيام الجناة بها إبّان دورة الألعاب الأولمبية، تجاه رياضيين أبرياء، ينتمون إلى تلك الدولة الصديقة. نأمل مساعدتكم لنا في مهمتنا بالتزام الصمت واتبّاع النظام.‏
(يصمت قليلاً، ثم يتوجه ببصره وخطابه إلى من في القفص، عقب إلقاء نظرة على أوراق أمامه)‏
من منكم هو نضال.. نضال ياسين؟‏
نضال : (شاب أسمر. في منتصف العقد الثالث من العمر. حاد النظرات صارم القسمات)‏
أنا نضال.. نضال ياسين..‏
القاضي : قل لي كيف وصلت إلى ميونيخ أيها السيد؟‏
نضال : ليس مهماً كيف وصلت.. المهم أنني وصلت..‍‏
القاضي : عليك أن تجيب بالتحديد على الأسئلة الموجهة إليك.. هاه.. كيف أتيت إلى ميونيخ؟ ومتى..؟‏
نضال : ألا ترى يا سيادة القاضي، أنك أخيراً سوف تخرج بالنتيجة ذاتها. ألا وهي أنني وصلت ميونيخ.. وهذا هو المهم.. فما أهمية كيف ومتى؟؟‏
القاضي : من ذا الذي يسأل أيها السيد.. أنا أم أنت؟‏
نضال : حسناً.. لنقل بالسيارة.. أو سيراً على الأقدام.. أو..‏
القاضي : (متأففاً، ولكن كمن يحاول أن يتحلى بالصبر)‏
كم من الزمن استغرقت الرحلة؟‏
نضال : (يصمت برهة.. تشرد نظراته بعيداً.. ثم يحدّق فيمن على المنصة)‏
استغرقت الرحلة، يا سادة، عمري كله..‏
(ينظر أعضاء هيئة المحكمة بعضهم إلى بعض في دهشة. كذلك يفعل النائب العام، ومعظم النظارة في القاعة)‏
القاضي : هل تسخر منّا أيها السيّد؟‏
نضال : أبداً.. هذه هي الحقيقة.. وإن شئت الدقة.. فهي ربع قرن من الزمان..‌‍!‏
القاضي : (مشيراً بكلتا يديه تعبيراً عن استهزائه)‏
لو لم تكن سوى سلحفاة لوصلت في ربع هذه المدة..!‏
(ضحك مكتوم في القاعة. وابتهاج على وجه النائب العام)‏
نضال : ما ذنبي إذن، إذا كنتم تصرّون على ألا تعرفوا الحقيقة؟‏
القاضي : ما دمت حريصاً على قول الحقيقة. قل لنا من هم بقية أفراد العصابة.‏
نضال : هم مناضلون.. وليسوا عصابة..‏
القاضي : (بسخرية) لعلهم ملائكة إذن..!‏
نضال : هم بشر وحسب. هم أصحاب وطن يطالبون به ويعملون من أجل استعادته.‏
القاضي : حسناً.. حسناً.. قل لي من هم وحسب.. أسماؤهم.. أعدادهم..‏
نضال : هم شعب بلادي بأسره..‏
(همهمة في القاعة.. حركات تنم عن الاستياء لدى هيئة المحكمة)‏
القاضي : (يطرق على المنصة.. ثم بنبرة غاضبة)‏
يا لك من ماكر.. كلكم هكذا..!‏
نضال : حبذا لو أعرف كيف توصلتم إلى هذه الحقيقة..! كنت أحسب أن هذه محاكمتي بمفردي ولم أكن أعلم أن من صلاحياتكم محاكمة شعب بلادي.. غيابياً أيضاً..‏
محامي الدفاع : (يستأذن للكلام)‏
سيدي القاضي. لا أعتقد أنه من صلاحيات محكمتكم الموقرة محاكمة أحد سوى المتهم الواقف أمامها.. ورفاقه..‏
القاضي : (في حدّة) المحكمة تعرف جيداً حدود صلاحياتها.‏
(ثم موجّهاً كلامه إلى نضال) تكلم أنت..‏
نضال : ولكن ألا ترى، يا سيدي، أنك لا تتيح لي فرصة للكلام..؟‏
القاضي : أنت الذي لا يريد أن يتكلم.. أنت تراوغ.. تضيع الوقت دون جدوى.‏
نضال : وقت من هذا الذي أضيعه، يا سيادة القاضي؟‏
القاضي : وقتنا بالطبع..‏
نضال : وقتكم بالطبع.! أما وقتنا نحن فضائع منذ خمس وعشرين سنة. ولكن لا إنه لم يكن ضائعاً. كنا نَُصنّعْ.. نتكوّن.. نتشكلّ، في ذلك الوقت الذي حبستموه ضَياعاً لنا،، ونسياناً لقضيتنا..‏
القاضي : (ينظر إلى زميله مستغرباً) يتصرّف وكأنه هو الذي يحاكمنا..!‏
نضال : لو كانت هناك عدالة على وجه هذه الأرض لكان ذلك هو الأجدر أن يحدث..!‏
القاضي : (حانقاً) أحذرك يا هذا من التمادي في أسلوبك هذا أمام هذه المحكمة.‏
نضال : (مقاطعاً وبسخرية) الموقرة.. المحكمة الموقرة..!‏
القاضي : يمكنك أن تتكلم الآن‏
نضال : هل تريدني حقاً أن أتكلم؟ وأن أقول ما أريد قوله؟‏
القاضي : (ينظر إلى الجمهور مستنجداً) أتسمعون..؟ أتسمعون بحق الشيطان..؟‏
نضال : إذن عليك أن تسمعني.. وبصبر يا سيدي.. ببعض من التضحية من وقتك.. أعني وقت المحكمة النفيس..!‏
القاضي : برافو.. ها أنتذا تعرف أن وقت المحكمة لا يسمح بالكثير من الإسهاب.. وأن صبرنا سوف ينفد، بلا شك، قبل أن تفرغ من سرد حكايتك..‏
نضال : هي ليست حكاية.. أولاً..‏
القاضي : (في حنق شديد) وثانياً.. وثالثاً.. ورابعاً.. وعاشراً.‏
نضال : (بإصرار وكأنه لم يسمع) هي ليست حكاية. إنها..‏
القاضي : (مقاطعاً) ما هي إذن؟ قل ما هي أيها السيد؟‏
نضال : هي مأساة.. تسمونها أنتم تراجيديا.. دونها كل ما ورد في آدابكم منذ الإغريق وحتى يومنا هذا..‏
القاضي : (يضحك في سخرية) أسمعتم..؟ إنهم يعرفون التراجيديا وآداب الإغريق..! أليس عجيباً هذا حقاً..؟‏
نضال : (متجاهلاً سخريته ومتابعاً) هي ملحمة أيضاً.. دونها الالياذة والأوديسّا..‏
القاضي : (يضرب كفاً بكف) ويعرف الأوديسا والالياذة.. ثم يجيء ليقتل..!‏
نضال : معذرة، يا سيادة القاضي، إذا كان ذلك تطفلاً على آدابكم.. وآمل ألا يسجل ذلك في لائحة الاتهام ضدي بتهمة السطو.. !‏
القاضي : ألا ترى أيها السيد بأن صبرنا يجب أن ينفد..؟‏
نضال : ألا ترون إذن أيها السادة، أن لنا العذر في أن صبرنا قد نفد فعلاً، فلجأنا إلى الوسيلة الوحيدة التي بقيت أمامنا، بعد أن أصممتم آذانكم عن سماع أصواتنا.. ونحن عشنا زمناً وما زلنا نعيش أحداث القصة التي يضايقكم سماعها (مجرد سماعها) ولدقائق معدودة.. أجل لقد عشناها ربع قرن بأكمله.. بكل مرارتها.. وأحزانها.. وو.‏
القاضي : (مقاطعاً) لا تقل لي أنك تنوي أن تتحفنا بالحديث عن تفاصيل ربع قرنك هذا..!؟‏
نضال : لست أطمع في كرم، إلى هذا الحد، يصدر عنكم.‏
القاضي : نحن نعرف هذه القصة القديمة على أية حال.‏
نضال : بل أنتم تجهلونها تماماً..!‏
القاضي : قرأنا عنها مجلدات.. وملفات.. وتقارير..‏
نضال : كل الذي قرأتم عنها.. لم يكن عنها.. ذاك هو الوقت الذي أضعتم سدى..!‏
القاضي : ماذا تعني بقولك هذا؟‏
نضال : أعني أن ما كتب عنها لم يكن عنها إطلاقاً..!‏
القاضي : أهي أحجية؟‏
نضال : ألا تقولون أن للعملة وجهين..!‏
القاضي :...‏
نضال : وجه واحد هو ما رأيتم.. الوجه الصدئ المطموس.. المشوّه.. أما الوجه الآخر.. الواضح المعالم.. وجه الحقيقة فذلك ما لا علم لكم به.‏
القاضي : قلت لك يا هذا، أننا نعرفها.. مثل ما تعرفونها أنتم.. إن لم يكن أكثر..‏
نضال : هذا أسوأ، على فرض صحته. إذ أنتم تعرفونها، ثم تقفون منا هذه المواقف المتحيزة.‏
القاضي : ينبغي أن تحسن ظنك بالمحكمة أيها الشاب..‏
نضال : حسن ظننا يا سيدي، هو الذي أوقعنا دائماً في حبائل الشر ومكائد الأشرار..‏
القاضي : من تقصد؟‏
نضال : لو لم نحسن الظن بكم -مثلاً- لما كنا وقعنا في هذا الموقف. كل شيء كان مرسوماً بإحكام من قبلكم للغدر بنا. وطوال الوقت الذي كنا نتحلى فيه بسوء الظن فيمن حولنا، كانت الأمور تسير على نحو جيد. ولكن فقط، وللتو وقعنافيما وقعنا فيه من شراك غادرة لحظة أحسنَّا فيها ظننا.. ثم كان ما كان.‏
القاضي : ها أنتذا تعترف..!‏
نضال : أعترف بماذا؟‏
القاضي : بأنك ارتكبت جريمتك النكراء عن سابق عمد وإصرار.. أنت مجرم خطير..!‏
نضال : (ساخراً ومطلقاً قهقهة عالية) أليس مضحكاً هذا الإستنتاج يا سيدي؟‏
القاضي : إنه استنتاج في محله يا هذا..‏
نضال : صدقني، يا سيدي، أنني لم أحرق إنساناً في فرن للغاز..!‏
القاضي : أتُعرَض بالمحكمة وبالشعب الألماني أيضاً؟‏
نضال : هم يقولون ذلك. أصحاب الشأن.. أصدقاؤكم.. يصدقون أويكذبون، لا أدري... على أية حال لم نكن نحن طرفاً في هذا....‏
القاضي : ولكن ذلك حدث في العهد النازي.‏
نضال : يسعدني أن المحكمة تعرف تاريخها جيّداً!‏
القاضي : ونحن ندين ذلك العهد.‏
نضال : وما جدوى ذلك؟ نحن خير من يعرف جدوى الإدانة والشجب والإستنكار.. فهذه جميعاً لم توقف الجاني يوماً عن مواصلة ممارساته الإجرامية.‏
القاضي : هذا شأنكم أنتم..‏
نضال : بلى والعالم معنا. لقد مكثنا ربع قرن.. ومعنا أشقاؤنا.. بل معنا أصدقاء كثيرون في هذا العالم يفعلون الشيء ذاته.. ثم ماذا.. ها نحن هنا الآن كي نخضع لعملية ابتزاز ظالمة من جديد..‏
القاضي : لا تحسبنَّ العدالة تعفي الجناة، أو تغفر لهم ما صنعت أيديهم.‏
نضال : ولكن ها هم يسرحون ويمرحون.. يملأون الدنيا عربدة وفجوراً، ويقترفون المزيد من الخطايا والجرائم.. فأين الحساب؟ بل أنت تشدون أزرهم.. وتواصلون دعمكم لهم..‏
القاضي : يبدو لي أنك تنسى أين تقف الآن.. أنت هنا لست إلا إرهابياً..‏
نضال : ولكني لم أبقر بطن امرأة..‏
القاضي : إنك لقاتل..! هل تنكر ذلك؟‏
نضال : لم يحدث أن ذبحت طفلاً في حضن أمه مثل ما فعلوا ويفعلون بنا دوماً..‏
القاضي : بل تفعل لو أتيحت لك الفرصة.‏
نضال : هي إذن مسألة فرص متاحة..‏
القاضي : ولم تُضعها أنت حينما سنحت لك..‏
نضال : لقد بكيت في أول مرة ذبحت فيها أرنباً..‏
القاضي : تبكي حين تذبح أرنباً.. ولا تهتز شعرة في جسدك وأنت تقتل إنساناً متحضراً.‏
نضال : وكيف عرفت، يا سيدي، أن تلك الشعرة اهتزت أو لم تهتز..؟‏
القاضي : أنا واثق من ذلك.. كثقتي بأنكم قتلتم الرياضيين عن عمد..‏
النائب العام : (يهب واقفاً بانفعال) ولهذا أطالب بإيقاع العقوبة القصوى على الجناة..‏
نضال : يبدو أنكم تتناسون كيف حدث ذلك.. ولم يمض عليه زمن طويل يبرر نسيانه..‏
أما نحن فلن ننسى كيف حدث التواطؤ لأننا نحن الذين ندفع الثمن..‏
القاضي : ألا تجلس مكاني يا هذا؟ يبدو وكأنه هو الذي يحاكمنا.‏
نضال : حبَّذا..!‏
القاضي : (ناظراً إلى الجمهور في استهجان) هل شهد أحد منكم مثل هذه الوقاحة..؟‏
(فتاة تهب لتقول بصوت غاضب)‏
الفتاة : ولكنكم، يا حضرات القضاة لا تعطون الشاب فرصة ليقول شيئاً (ينهض النائب العام- وفي ذات اللحظة يطرق القاضي على المنضدة عدة مرات ليسكت الجلبة التي نشأت في القاعة.. وتكاد تحدث مشاجرة بين مؤيد للفتاة ومعارض)‏
القاضي : (بصوت مرتفع عبر الميكروفون) صمتاً.. صمتاً.. أرجو المحافظة على النظام والتزام الهدوء.. لنستأنف إجراءات المحكمة حسب القوانين المرعية.‏
(ثم ينظر إلى عضو اليمين متسائلاً) أين وصلنا؟‏
النائب العام : (يتكلم دون أن يُسأل) قلت يا سيدي للمتهم (إنها وقاحة..) وهذا صحيح تماماً..!‏
نضال : (لا يبد عليه أنه فقد هدوءه.. ولكن الألم يتزايد في نبرات صوته)‏
هي وقاحة حقاً.. ولكن حسب مفاهيمكم المغلوطة، ومدنيّتكم الزائفة. أنتم مثلاً، يا سيدي، تعتذرون بأرق عبارة إذا لمس أحدكم طرف رداء آخر عن غير قصد.. ثم أنتم أنفسكم، في موقف آخر، تمزقون إنساناً مستضعفاً بالحراب.. بالرصاص.. لا لشيء إلا لأنه لا يملك قوة الرد. حضارتكم تسمح بإبادة مدينة بأسرها بما ومن فيها.. هيروشيما.. نجازاكي.. ألا تذكرون..؟ حدث ذلك.. أبيدت المدينتان عن بكرة أبيهما وفي اللحظة ذاتها كان (ترومان) الآمر بقصفهما يتناول إفطاره (الحضاري) وبالطريقة الحضارية.. بالشوكة والسكين.. بل وهو يتحسس ربطة عنقه ليطمئن إلى أنها في مكانها الصحيح.. وشكلها الملائم.. أليست هذه حضارتكم..؟ أليست...‏
القاضي : (مقاطعاً بصوت غاضب) أنت تتكلم ليس بوقاحة فقط.. ولكن بجرأة غريبة تستحق عليها.. آ آ.. (ثم يقطع حديثه فجأة وينفخ غيظاً)‏
نضال : عذراً يا سادة فأنا لم أتعلَّم أسلوب حضارتكم في استعمال الكلمات المنمقة.. أعني المنافقة..!‏
القاضي : أنت لست خائفاً إذن.. أنت لا تخشى عاقبة ما أقدمت عليه.. أليس كذلك؟‏
نضال : (ضاحكاً) من يعرف الخوف لا يحظى بشرف الوقوف هنا. أيها السادة..‏
القاضي : (في غيظ) إذن هو شرف لك أن تقف هنا.. في قفص الإتهام..‏
نضال : من وجهة نظر محددة.. نعم..‏
النائب العام : إذا سمحت لي المحكمة الموقرة الإدلاء بما أرى بشأنه.‏
القاضي : (بتودد زائد) ليتفضل النائب العام.. تفضل يا سيد جاكوب..‏
النائب العام : هذا المتهم الماثل أمامكم ما فتئ يراوغ ويراوغ، في محاولة بارعة للسخرية من هيئة المحكمة الموقرة. كما أنه يحاول أن يتخذ من هذا المنبر الحرّ وسيلة للدعاية لنفسه (أولاً) ثم لقضية عفا عليها الزمن، وينبغي أن يسدل عليها ستار النسيان إذ هو يتحدث عن شعب لم يعد له وجود. وهو (ثانياً) يتكلم وكأنه ندّ للسادة أعضاء هيئة المحكمة.. يحاورهم ويداورهم ليس كمتهم يقف أمامها ليقدم حساباً عن جريمته. ثم هو (ثالثاً) يتحدث دون شعور بالمسؤولية أو إحساس بالذنب نحو الجريمة التي اقترفت يداه، مع عصابته الإرهابية بحق أبرياء لا ذنب لهم. رياضيون.. مجرد رياضيين، أيها السادة..‏
(متابعاً بطريقة تمثيلية وكأنه يوشك على البكاء.. وبصوت متهدّج) جاؤوا إلى هذا المكان من أرض الميعاد لكي يسهموا في مجهود حضاري (يشدد على هذه الكلمة حضاري) رفيع.. الألعاب الأولمبية.. تصوروا الألعاب الأولمبية..!‏
لقد أقدم هذا وزمرته على فعلتهم النكراء، غير عابئين بما يؤدي إليه ذلك من تكدير وتعكير لصفو الملايين من شعوب أوروبا وأمريكا، وإفساد لحظات المتعة والسعادة التي كانوا ينعمون بها أمام أجهزة التلفزيون في أسرَّتهم الوثيرة. جاءوا وكأنهم القدر الصاعق على غير انتظار، فقلبوا سعادة الملايين إلى كدر حقيقي. فيما لقي أبناؤنا حتفهم. لذلك كله أرى أن تعمد المحكمة المبجلة إلى إسكات هذه المحاولات الطائشة.. بل وعدم السماح للمتهم بالكلام أصلاً، وليصدر الحكم العادل بحقه.‏
(أعضاء المحكمة يهزون رؤوسهم بالموافقة والإعجاب فيما هو يجلس في مكانه. ترمقه نظرات الجمهور بين مستحسن ومستهجن)‏
محامي الدفاع : (يستأذن ليرد على النائب العام)؟‏
أرجو أن تلاحظ محكمتكم الموقرة أن النيابة العامة تحاول تضليلها. كما أنها، هذه النيابة العامة تفعل تماماً ما اتهمت موكلي، افتراء بفعله. فهي التي عمدت، في الواقع، إلى اتخاذ منبر المحكمة وسيلة لبث دعاية صهيونية مضللة. وذلك واضح تماماً في طرحها لمفاهيم مغلوطة، لا أساس لها من الصحة، ولا سند لها من الواقع والحقيقة. كقولها بأن موكلي يتحدث عن شعب لا وجود له. فإذا كان هذا صحيحاً فمن تحاكمون إذن، ولمن ينتمي هذا الكائن الواقف أمامكم ورفاقه؟ هل هبط علينا من كوكب المريخ أو عطارد. أم تراه جاء من العدم، خلافاً لنظرية (لافوازيه). وإذا لم يكن شعب فلسطين موجوداً، فكيف أمكن أن نكون في هذا المكان، وأن تكون هذه المحكمة والأسباب المنعقدة من أجلها قائمة..؟ وأما (كدر) الملايين أيها السادة، وأما (السعادة) التي قطعت على أصحاب (السعادة) فتلك أمور لا شأن لهذه المحكمة ببحثها، ولا للنيابة العامة حق التعرض لها. وإذا كان لا بد من الخوض في أمور كهذه، فلنقل بأن (سعادة) تلك الملايين التي قطعت للحظات يقابلها (شقاء) متصل لملايين أخرى تعيش مأساة رهيبة منذ سنين عديدة. وإذا كانت الملايين السعيدة لا تأبه لشقاء الملايين التعيسة، فكيف يتأتى لنا أن نطالب هذه الأخيرة بدورها، أن تأبه لسعادة غيرها..؟ لماذا يجب أن يهمها ذلك؟ ألا ترون أنها معادلة صعبة؟ وإذا كنتم، أيها السادة بحاجة إلى شواهد من وسط (حضاري) لا تملكون إنكار قيمته الحضارية، لأنه أحد معالمها فذلك هو المؤرخ "تويبني" الذي يقول بأن على كل فرد غربي أن يكون مستعداً لدفع قطرات من دمه، تكفيراً عما لحق بالفلسطينين من غبن وأذى، لأنه -ذلك الغربي- ينتمي إلى الأمم التي أسهمت في صنع مأساتهم. وهو لم يصنع شيئاً ولو برفع صوته استنكاراً.‏
أجل أيها السادة. إن أولئك الذين استهجنوا أن تقطع عليهم متعتهم للحظات، هم أنفسهم الذين تجاهلوا شقاء أولئك دهراً بطوله، ناهيكم عمن أسهم في صنعه من بينهم.‏
(يتريث قليلاً فيبادره القاضي:)‏
القاضي : هل قلتم كل ما عندكم؟‏
محامي الدفاع : هناك الكثير مما أود قوله حول الأمور الأخرى التي تعرّض لها حضرة النائب العام، لكني لن أفعل فقد سبق الحديث فيها. غير أني أرجو لفت أنظاركم، والجمهور هنا (ملتفتاً نحو الجمهور مشيراً بيديه) أيضاً في مغزى طلبه منع موكلي من الكلام.. مجرد الكلام. فهذا مؤشر واضح على مدى تحقق الديمقراطية وشيوع الحرية في بلاد الحضارة الغربية..!‏
(ما إن يجلس حتى يهب عدد من الحضور منددين بطلب النائب العام، مطالبين بحرية الكلام للجميع. عندئذ يقف آخرون، ولكنهم قلة، مؤيدين مطلب النائب العام).‏
القاضي : (يطالب بالصمت والتقيد بالنظام) أطالب السيد محامي الدفاع بالتزام الموضوعية، وعدم إثارة قضايا جانبية كالتي تحدث عنها. كما لا بد أن أعلن أننا لا نوافق على ما ذهب إليه بشأن الحرية والديمقراطية والحضارة الغربية.‏
(يصمت قليلاً. يتحدث إلى زميله على المنصة همساً)‏
(ثم موجهاً كلامه إلى نضال)‏
أعتقد أنه من الأجدر بنا ألا نضيع مزيداً من الوقت فيما لا طائل وراءه.. والآن تكلم أيها السيد في الوقائع الأخيرة لما جرى هنا..‏
نضال : سأتكلم.. ولكن من البداية. أي عما سبق الأحداث الأخيرة. فهذه الأحداث حصاد ذلك الزرع.‏
القاضي : (يزم ما بين حاجبيه.. ويرفع النظارات عن عينيه)‏
حصاد وزرع.. عمّ تتحدث..؟‏
نضال : (في شيء من التهكم) معذرة، ربما خانني التعبير في الإتيان بمثل لا تفقهونه.‏
إذن لأقول بأن المقدمات تعطي نتائج من نوعها. سأتكلم عما حدث، منذ البدايات.‏
القاضي : لا تعنينا تلك البدايات الخاصة بك. وقتنا لا يسمح- كما سبق أن قلت لك- باستعراض الأمور على النحو الذي تريد.‏
نضال : ولكن وقتي يسمح وأنا لست في عجلة من أمري..‏
القاضي : ليس وقتك أنت الذي يهمّ..‏
نضال : كل ما يتعلق بي -أعني بنا- ليس مهمّاً في نظركم مع أن الذي أريد قوله هو الذي سوف يميط اللثام عن وجه الحقيقة. هذا إذا كنتم تبحثون عنها..!‏
القاضي : الحقيقة البيّنة تقول /أنك وزملاءك هؤلاء أزهقتم أرواحاً بريئة.‏
نضال : يا سيادة القاضي إننا نحن المتخلفون -كما تروننا على الأقل- لانعالج الأمور بمثل هذه السطحية. وعلى هذا النحو من الانحياز المسبق للظلم على حساب العدل وحقوق الإنسان، التي لا تفوتكم مناسبة دون الحديث عن حرصكم عليها.. بل تقديسها.. ولكن هذا أيضاً مؤكد حقيقة أنكم تكيلون بأكثر من مكيال واحد.‏
القاضي : سأتجاهل الكثير مما تهذي به. أسألك تحديداً: ألم تزهقوا تسعة أرواح بريئة عن عمد وسبق إصرار؟‏
نضال : ألا تدلُّ صيغة هذا السؤال على صحة ما أقول، حتى من وراء منصة القضاء.. هل تعرفون، يا سادة، من هو مدرب الفريق الإسرائيلي، ذاك الذي قتل..؟‏
القاضي : وكيف لي أن أعرف سوى أنه رياضي في الفريق الإسرائيلي..؟‏
نضال : لكني أنا أعرف.‏
القاضي : (هاتفاً) بالطبع أنت تعرف.. لأنك كنت تنوي اغتياله..!‏
نضال : لتكن حليماً بعض الشيء، يا سيدي. كان ذلك حين كنت في السادسة من عمري.‏
القاضي : (مذعوراً) في السادسة من عمرك؟ أتظننا يا هذا سوف نستمع إلى سخافات تسردها على مسامعنا عن حياتك منذ طفولتك؟ أي شيطان أحمق هذا الذي يوحي إليك بأننا سوف نقبل منك ذلك.‏
نضال : (كاليائس في ألم بالغ) هذه هي مشكلتنا تماماً. ما من أحد يريد أن يسمع. ما نقوله نحن لا بد أن يكون سخفاً.. مأساتنا من أولها لآخرها هراء.. المذابح التي وقعت علينا نكتة. دماؤنا التي أريقت لو جمعت في مكان واحد لأمكنها أن تصنع بحيرة، أو نهراً يجري.. هذا كله لا يعني لأحد شيئاً. أما تسعة (أبريائك) فتقيمون الدنيا ولا تقعدونها من أجلهم. هؤلاء، بالمقارنة السالفة الذكر، لا تملأ دماؤهم برميلاً واحداً من أصغر الأحجام..!‏
القاضي : (مقاطعاً بانفعال ومشيراً إلى الجمهور ومن حوله بيديه).‏
هل سمعتم، أيها السادة، هل سمعتم مثل هذا الاستخفاف بالجريمة؟ برميل من الدماء البشرية لا يعني في نظره شيئاً..‏
نضال : أستغفر الله، يا سيدي.. برميل الدماء هذا يعني كل شيء.. لأنها دماؤهم.. ونهر دمائنا نحن هو الذي يجب ألا يعني شيئاً..!‏
القاضي : (يتظاهر بالصبر) لا بأس.. سأحاول، مرة أخرى، أن أتحلّى بضبط النفس إزاء حماقاتك.. المهم أن تتكلم..‏
نضال : كنت في السادسة يومئذ أقبع إلى جوار أمي، بعد أن تناولنا عشاءنا المعتاد من زيتون وزعتر وشاي. صحوت فجأة على صوت أمي تصرخ فيما هي تهزني بكلتا يديها في فزع.. نهضت.. فركت عيني..‏
القاضي : (يضرب كفاً بكف) يحدثنا عن فركه لعينيه..! تصوروا..! وماذا يهمنا أيها السيد حتى لو لم تكن لك عينان على الإطلاق..!!‏
نضال : (كأنه لم يسمع تعقيب القاضي. يسرح بعيداً.. يحدق بصره في السقف مستعيداً الصورة وهو يروي لهم..)‏


























مسرحية  باب الفرج

بـاب الفـــــرج
مسرحية‏
الشخصيات‏
الجلاد‏
التابع‏
البائع‏
الزوجة‏
زوج 1
زوج 2
زوج 3
الأخت‏
الرضيع‏
ساعي المحكمة‏
المحامي‏
القاضي/ الأمير‏
الشرطي‏
صوت‏

في العتمة، قبل رفع الستار، تسمع دقات مبهمة مضطربة متباعدة لساعة كبيرة.
ترفع الستارة على ساحة عامة تقوم وسطها ساعة المدينة الكبيرة‏
ثمة لافتة تشير إلى اسم الساحة ((ساحة باب الفرج))‏
عربة لبائع متجول، والبائع عند قاعدة الساعة مربوط إليها في وضعية الصلب.‏
جلاد وتابعه يجلدان البائع في آلية وبرود وهو يتلقى الضرب في صمت من غير أن يظهر توجعاً.‏
الجلاد يضع قناع السيكلوب وله ذنب، ومثله تابعه القزم.‏
عن بعد، مجموعة من الناس يتفرجون في وضعية التثبيت، بحيث يبدون كأصنام بلا أية حركة وفي أوضاع مختلفة كأنهم رسوم في لوحة علاها الغبار ومحا ألوانها الزمن.‏
الأخت هي الإنسان الوحيد في المجموعة الذي كان يرقب ما يحدث ويتألم.)‏
الجلاد : مئة وخمس.‏
التابع : مئة وست.‏
الجلاد : مئة وسبع.‏
التابع : مئة وثمان.‏
(يستمران في الجلد مع العد)‏
الجلاد : هل عرفته؟‏
البائع : كلا.‏
الجلاد : جاءك أمس، قال كلمات ومضى.‏
البائع : لا أذكر.‏
التابع : اشترى من هذه البضاعة.‏
البائع : يشتري مني الكثيرون.. لا أذكر.‏
التابع : لعل هذا يذكرك (يجلده) مئة وثلاثون.‏
الجلاد : مئة وإحدى وثلاثون.‏
التابع : مئة واثنتان وثلاثون.‏
الجلاد : مئة وأربع وثلاثون.‏
البائع : (في برود) لا.. أخطأت.. مئة وثلاث وثلاثون.‏
(يستمران في الجلد مدة، يتوقفان، يخفي كل منهما السوط تحت معطفه، يحررانه من الحبل المربوط به فيتهاوى على الأرض متكوماً يضعان الحبل على الساعة بحيث يتدلى متأرجحاً ومنتهياً بعقدة للشنق)‏
الجلاد : سنعود غداً.‏
التابع : في مثل هذا الوقت بالضبط.. سنعود غداً.‏
الجلاد : ونعود بعد غد.‏
التابع : أجل بعد غد.‏
الجلاد : في الموعد نفسه.‏
التابع : أسمِعت؟ في الموعد نفسه.‏
الجلاد : وكل يوم.‏
التابع : كل يوم.‏
(الجلاد يضحك بصوت عال، يتلوه التابع فيقهقه، يتداخل صوتاهما بشكل ناشز ومقرف، موجات من الضحك تبدو كطلقات مدفع ينتهي الموقف بضحك هستيري فصمت تام.)‏
الجلاد : حتى تطلع الشمس من المغرب.‏
التابع : (في صوت أكثر انخفاضاً) حتى تطلع الشمس من المغرب.‏
( الجلاد يخلع قناع السيكلوب ويطويه، يدس ذنبه في السروال يلبس قفازين أبيضين، يبدو الآن شاباً أنيقاً، يفعل التابع مثله وبحركات أوتوماتيكية يخرجان، المجموعة تبدأ في الحركة ببطء.)‏
زوج 1 : (يحمل محفظة) ها قد وصلنا باب الفرج (يضحك بشكل هستيري ثم يصمت فجأة) يا للهول.‏
زوج 2 : (يضع نظارات سوداء) كانت رحلة مرهقة رأسي يدور، ثمة وحش كان يضربني بذراع من حديد.‏
زوجة : (تحمل رضيعاً) وحش هائل بعين واحدة كاد يلتهم طفلي (تضمه إلى صدرها).‏
زوج 3 : (تبدو عليه مظاهر الغِنى) أضلاعي مهشمة، كائن غريب يشبه قرداً كثيف الشعر كان يضربني بمحراث قديم.‏
الأخت : هل كنتم تحلمون حلماً مشتركاً؟‏
الزوجة : لا شك أننا كنا نحلم، نحلم بالسفر.‏
زوج 1 : هل تريدون أن أفسر لكم أحلامكم؟ لدي كتاب لتفسير الأحلام (يحاول فتح المحفظة).‏
زوج 3 : افتح يا يوسف.. إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف. (يضحك)‏
الزوجة : (تضع طفلها فوق رأسها) وأنا أراني أحمل فوق رأسي لحماً فتأكل الطير منه.‏
زوج 2 : وأنا.. أنا حلمت بأني أصبحت إنساناً آلياً، جسمي محشو بالأشرطة والمحولات والمسننات، وثمة بطارية فارغة، وأنا لا أستطيع أن أبكي ولا أضحك، كنت أرى الصدأ يغطي كل أجزائي الحديدية، وأعلم أن الصدأ يعني الحزن في لغة الحديد ومع ذلك فأنا لا أستطيع أن أضحك أو أبكي.‏
زوج 1 : (يفشل في فتح المحفظة) آسف.. المحفظة مغلقة، والمفتاح ضائع.‏
زوج 3 : يجب أن تجد المفتاح، عندي أحلام كثيرة أريد أن أفسرها.‏
الزوجة : ابحث في جيوبك.‏
زوج 2 : لماذا لا تكسر القفل؟‏
الأخت : كفى يا سادة.. كفى، هذه مهزلة.. يجب أن تستيقظوا، أنتم ما تزالون نائمين.. تحلمون.‏
زوج 2 : كيف نكون نائمين ونحن نسير ونتكلم؟‏
زوج 3 : صحيح أننا لا نفكر، لكننا نضحك ونبكي ونكسب.. انظري. (يهز كيس نقوده) أنا أكسب كثيراً.. أنا غني.‏
الأزواج : أيتها الأخت الصغيرة نحن نضحك بصوت عال.. اسمعي.. (يضحكون) ونبكي بصوت منخفض (يبكون) إذن نحن لسنا نائمين.‏
الزوجة : أنا أحمل طفلي إذن أنا يقظى.‏
الأخت : هذا وهم.. إنها خدعة كبيرة.. أنتم لم تغادروا أماكنكم منذ زمن طويل.. أفيقوا وتحركوا.. السكون موت.‏
الرضيع : أيها السادة.‏
زوج 1 : (للزوج 2) هل أنت الذي تكلم؟‏
زوج 2 : كلا.‏
زوج 1 : (للزوج 3) إذن أنت الذي تكلمت.‏
زوج 3 : كلا.. كلا.. هذا ليس صوتي.‏
الرضيع : أيها السادة.‏
الأزواج : (للزوجة) إذن هو أنت.‏
الزوجة : كلا.. كلا.. هذا ليس صوت امرأة.‏
زوج 1 : من يتكلم إذن؟‏
الرضيع : أنا الذي أحدثكم.. أنا الطفل الذي في المهد.‏
زوج 2 : هذه آية.‏
زوج 3 : آية من الله.‏
زوج 1 : لا شك أنه المسيح.‏
زوج 2 : هل هو المسيح حقاً؟‏
زوج 1 : طبعاً.. طبعاً.. هل أفضي إليك بسر.. إنه ابني.‏
زوج 3 : هل هو ابنك حقاً؟‏
زوج 1 : هو ابني، وشهادة الميلاد هنا في المحفظة، وأنا أحتفظ فيها أيضاً بعقد الزواج.‏
زوج 3 : عظيم.. ولكنه لا يشبهك.. أرني الأوراق.‏
زوج 1 : (يحاول فتحها فيفشل) يجب أن تصدقني.. إنها مقفلة.‏
زوج 3 : أنا أصدقك.. أصدقك تماماً.. ولكنه لا يشبهك.. إنه يشبهني أنا.. ضع في الاعتبار أنه ابني، وليس أكثر إثباتاً من التشابه بيني وبينه.‏
زوج 2 : لا أريد أن أكذبكما، ولكنكما مخطئان.. اسألا أمه، لقد حملت به مني في ليلة مظلمة، وكنا في مجاري المياه.. أنا وهي.. ولم يكن أحد سوانا.‏
زوج 3 : (للأم) لماذا لا تقولين شيئاً؟‏
الزوجة : (في خجل) أنا.. أنا عذراء.‏
زوج 1 : رائع.. ألم أقل لكم إنه المسيح.. يسوع ولد من غير أب.‏
زوج 2 : من غير أب! وأنا ماذا كنت أفعل طيلة الليل؟‏
زوج 3 : هي حرة في أن تكون عذراء أو لا تكون.. هذه المرأة اشتريتها بدراهمي، وما تنتجه هذه الآلة (مشيراً إلى الزوجة) هُو لي.. إذن الطفل هو طفلي، فأنا أملك وسائل الإنتاج.‏
زوج 2 : هذه المرأة تزوجتها وهي صغيرة، سبية حصلت عليها في إحدى غاراتي.. والحق أنني أنتظر هذا الطفل منذ زمن بعيد.‏
زوج 1 : هذه المرأة كانت صديقتي في الجامعة، ودرسنا معاً وتعاهدنا على الزواج، وعندما كان الأستاذ يحاضر كنا نرسم طفلنا القادم على الورق، وقد ألصقنا صورته على جميع كتبنا الجامعية: المدنية، البحرية، الأحوال الشخصية، القانون الدولي.. لماذا تريدون أن تسلبوني طفلي وقد كنت أنتظره منذ زمن طويل؟‏
زوج 3 : وأنا ألَمْ أكن أنتظره أيضاً؟ كنت الوحيد في السوق الذي يسعى بجد لتحسين الإنتاج.‏
زوج 2 : أما أنا فقد حفيت قدماي من الانتظار.‏
الأخت : يجب أن تخجلوا من أنفسكم.. لا تعرفون غير الانتظار.. والكذب.. كل منكم يدَّعي أنه طفله.. وأمه تدَّعي أنها عذراء.. والطفل يخيل إليكم أنه يتكلم في المهد. لقد مات يسوع، ولم يتكلم أحد في المهد بعده.. لا بد أن شيطاناً قد اختبأ فيه هو الذي يتكلم.‏
الرضيع : أيها السادة!‏
زوج 1 : صمتاً.. اسمعوا.. عاد يتكلم!‏
الرضيع : من أعماق الظلمة، من حقول تأكلها النيران، جئت إليكم ومعي خنجر.‏
زوج 1 : ألم أقل لكم.. إنه المسيح.‏
الزوجة : عندما وضعته.. أو في الحقيقة أنا لم أضعه، لقد شقَّ بطني وخرج.. قفز إلى الأرض ومعه خنجر لامع ثم.. ثم التهم مشيمته.. وتمدد في السرير.‏
زوج 2 : لا يفعل ذلك إلا المسيح.‏
الأخت : بل يهوذا.‏
زوج 3 : يهوذا لم يتكلم في المهد.. إنه المسيح.‏
الأخت : تيقظوا أيها الأخوة.. إن كنتم تصرون على تسميته بالمسيح.. فهو المسيح الدجال.‏
زوج 1 : اسكتي يا امرأة.‏
زوج 2 : هيا يا رفاق، ودعونا نبشر بالقيامة الجديدة.‏
زوج 3 : دعونا نبشر بولادة المخلِّص.‏
(البائع ينهض بتثاقل، ينفض الغبار عن ثيابه، يدفع عربته أمامه)‏
البائع : هبط الليل، الظلمة تزحف، تعشش في شوارع المدينة العتيقة، تغلف قلوب الأطفال. من يشتري ليموناً، حامضاً طعمه، محرقاً كالنار.. من يشتري برتقالاً دموياً بلون شفاه العذارى. لست تاجراً كما تظنون.. أنا فلاح بسيط جاء من أرض جففها عطش صحراوي وشققها برد الليل. السماء لا تمطر، والأرض غاضت مياهها، وأشجاري أصبحت أصناماً من الحطب، وثمة مجرم خطير يعيث فساداً ويحرق كل ليلة شجرة (يدور بالعربة دورة كاملة حول الساعة، يتحسس ركبتيه متألماً) في الليل حين يهدأ الكون وينام الناس يستيقظ الجوع في أمعاء الأطفال، يفح كأفعى، ينهشها كنقار الخشب، يقول ولدي الأصغر:‏
- بابا أنا جائع.‏
يعيد ولدي هذه العبارة في فترات متباعدة كدقات ساعة حتى يطلع الفجر.‏
- نم يا ولدي.. سيأتي اليوم الذي يشبع فيه جميع الأطفال.‏
أما الطفلة الصغيرة فتطير إلى صدري، تقبلني من عنقي دامعة العينين تقول:‏
- بابا.. العيد بعد غد، ماذا ستشتري لي على العيد؟ ثوباً أحمر، أم كرة بيضاء؟‏
- حبيبتي، العيد مريض، لن يحضر هذا العام.‏
- لكن جارنا الساكن في القصر هناك جمع أولاده في المساء وقال: هذه هدايا العيد يجب أن تستقبلوه بعد غد وأنتم تلبسون أجمل الثياب.‏
- حبيبتي، جيراننا عيدهم سيصل في سيارة كبيرة فاخرة، أما عيدنا فقد أصيب بحادث في الطريق.. إنه جريح.. ادعي الله أن يشفيه.‏
أما زوجتي الصغيرة المريضة الممددة في ركن رطب مظلم من القبو فإنها لا تتكلم تنظر إليَّ في صمت مؤلم، وتستقبلني بشفتين مرتجفتين.‏
لماذا يلاحقونني، أنا الفلاح البسيط المسكين. لقد غيرت مهنتي، ومع ذلك هم يلاحقونني، صرت أبيع البرتقال والليمون ومع ذلك هم يقولون: إنها بضاعة ممنوعة.‏
(يدخل ساعي المحكمة مندفعاً)‏
ساعي المحكمة : بضاعتك ممنوعة.. أنذرناك عدة مرات، أنت لا تفهم.. وقّع هنا.‏
البائع : على ماذا أوقع؟‏
ساعي المحكمة : يجب أن تحضر المحاكمة فوراً.‏
البائع : أنا لم أفعل شيئاً.. ماذا تريدني أن أشتغل، أولادي جائعون، وامرأتي مريضة.‏
ساعي المحكمة : تستطيع أن تقول ذلك في المحكمة.. وقع هنا.‏
(البائع يوقع، الساعي يخرج، ينظر البائع في الإخطار).‏
البائع : هيه أيها الساعي.. في أية محكمة.. وأين؟ (يدور بعربته حول الساعة دورة كاملة) يا للزمن الميت (يدور دورة أخرى ويتطلع في الساعة) يا للزمن الميت (يدور دورة ثالثة) يا للزمن الميت!‏
(يدخل الزوج الأول في هيئة محام حاملاً محفظته)‏
المحامي : لماذا تدور هكذا يا عم، هل تبحث عن شيء؟‏
البائع : أبحث عن باب المحكمة..‏
المحامي : هل أستطيع مساعدتك؟‏
البائع : أأنت محام؟‏
المحامي : نعم.. ألم تسمع باسمي، شهرتي واسعة.. أنا المحامي الوحيد في البلد، وكل من في المدينة يأتيني يسند إليّ دعواه.‏
البائع : إذن أنت تدافع عن المدعي والمدعى عليه في آن واحد.‏
المحامي : كلا.. ثمة قضية واحدة تتكرر، ومُدَّع مجهول، ومتهمون أمثالك كثيرون، قل لي هل وقَّعت على محضر الدعوى؟‏
البائع : هذا هو.‏
المحامي : (ينظر في الورقة) إذن جاء دورك.. حسن، هل تحب أن أساعدك؟‏
البائع : في الحقيقة أنا لم أفعل شيئاً.. فهل يحتاج الأمر إلى محام..؟‏
المحامي : طبعاً.. طبعاً.. إياك أن تتهاون بالأمر وإلا فإن عاقبتك ستكون سيئة.‏
البائع : وماذا علي أن أدفع مقابل ذلك؟‏
المحامي : مبلغاً بسيطاً.. التسعيرة موحدة.. لكن..‏
البائع : لكن ماذا؟‏
المحامي : القاضي أعرفه وسنحتاج إلى رشوته، إنه لا يقبض مباشرة.. يجب أن تبقى يداه نظيفتين، لكننا سندفع لوسيطه.‏
البائع : أمن الضروري أن ندفع له.. قضيتي عادلة.‏
المحامي : يا سيدي أنت مدان مسبقاً، عندما ندفع له سنجعله يخفف الحكم إلى أقل ما يمكن.‏
البائع : انظر.. لم يذكروا لي ما المحكمة؟ ولا أين تقع؟‏
المحامي : لا تبحث عنها.. المحكمة هي التي تبحث عنك.. سينتصب أمامك القاضي فجأة، وينظر إليك بوجهه الصارم.. على كل لا تخف، عندما تنعقد المحكمة سأكون موجوداً، فأنا من أعضائها.‏
البائع : لم أفهم.. أنت محام ومن أعضاء المحكمة! كيف يكون ذلك؟‏
المحامي : اطمئن.. هذا من حسن حظك، وفي صالحك.. على كل ستفهم فيما بعد.. وداعاً وإلى اللقاء.‏
البائع : إلى اللقاء.‏
(يدور البائع حول الساعة دافعاً العربة أمامه، ويدور المحامي في الاتجاه المعاكس).‏
البائع : ماذا تفعل؟‏
المحامي : أدرس القضية.‏
(يقومان بعدة دورات، وعندما يلتقيان يكون القاضي قد أطل من كوة في أعلى الساعة، والقاضي هو الجلاد نفسه).‏
صوت : محكمة (ثلاث دقات قوية).‏
المحامي : سيدي القاضي، إن موكلي (يسعل) لا شك أنكم تعلمون ذلك جيداً (يبحث في جيوبه) فهو لا يحتاج إلى برهان.. لذلك.. ومهما يكن (يبحث في صدره وجيوبه، يخلع حذاءه ويبحث فيه، يخلع جوربيه) لا أدري أين سقط مني المفتاح (يلبس حذاءه وجوربيه) يجب أن تصدقوني، فموكلي هذا.. نعم.. نعم.. إنه أفضل موكل.. لا شك أنه بريء فقد دفع كل ما يترتب عليه (يحاول فتح المحفظة) امنحوني فرصة كي أفتح هذه المحفظة، إضبارة القضية، وجميع إثباتات البراءة فيها (يحاول فتح المحفظة عبثاً) لا أدري أين ضاع المفتاح مني (يحاول كسر القفل) سيدي القاضي (ينهش المحفظة بأسنانه، يمضغ القفل) لا تؤاخذني، لا أستطيع المرافعة قبل أن أفتحها (يجاهد عبثاً) موكلي هذا.. وأنتم.. والعالم كله.. في هذه المحفظة وهي مقفلة. (يرمي المحفظة على الأرض ويضرب القفل بعقب حذائه).‏
صوت : ترفع الجلسة لإصدار الحكم (ثلاث دقات، القاضي يغلق الكوة ويتوارى داخل الساعة).‏
البائع : لم يستمع القاضي بعد إلى القضية.. كيف يحدث ذلك؟‏
المحامي : لو أتمكن من فتح المحفظة لأمكنني تبرئتك.‏
البائع : دعك من هذه المحفظة، ألا تستطيع أن ترتجل مرافعة؟ ألا تحفظ شيئاً من القانون؟‏
المحامي : القانون في المحفظة، والمحفظة مغلقة، ما الذي يمكنني أن أفعله؟‏
البائع : وهل سأفقد حريتي إذا لم تنفتح محفظتك؟‏
المحامي : دعنا نبحث عن المفتاح، ربما سقط مني هنا.‏
(يدوران حول الساعة في اتجاهين متعاكسين وهما يبحثان في الأرض) هل رأيت شيئاً؟‏
البائع : كلا.‏
المحامي : أظن أننا لن نعثر عليه (ينفض يديه) بحثت عنه أمس، وقبل أمس.. في الحقيقة منذ سنوات، وأنا أبحث عنه كل يوم مع متهمين مثلك ولم أعثر عليه.‏
البائع : كيف ستعثر عليه والأرض موحلة جداً.‏
المحامي : موحلة على الرغم من أن الأمطار لم تسقط هذا العام.‏
البائع : الأرض مستنقعية، المياه الآسنة تنبع من الشقوق بين بلاط الشارع (يدوران دورة أخرى وعندما يلتقيان يطل القاضي من الكوة)‏
صوت : محكمة (ثلاث دقات، يتسمران).‏
القاضي : (يصدر أصواتاً أشبه بالعواء) عا.. عو.. عا.. عو.. واع.. عا.. عي.. عو.. واع.. واع.. عو.. عي.. عو.. عو (يغلق القاضي الكوة ويختفي).‏
البائع : هل انتهى كل شيء؟‏
المحامي : انتهى كل شيء.. الأحكام هنا قاطعة وغير قابلة للطعن.‏
البائع : (يدفع عربته) هذه مهزلة.‏
المحامي : لقد فعلت كل ما بوسعي، كان الحكم عادلاً.‏
(المحامي يمسح الغبار عن محفظته ويخرج، البائع يدفع عربته أمامه).‏
البائع : البلدة بلدتي وأنا غريب فيها، إنهم يلاحقونني، لكن لن أهرب، كلما طلبوني للمحاكمة سأذهب (يتحسس ركبتيه) أخشى أن لا يمكنني داء المفاصل يوماً ما من حضور المحاكمات فيحكمون عليّ غيابياً، إنهم يريدون أن يتخلصوا مني بأية وسيلة، لكنني سأقلقهم بوجودي وأعيش، هم يريدون لي الموت ولكنني سأتحداهم وأعيش، سأدفع هذه العربة في صدورهم وأنتزع لقمة أطفالي.‏
(يدخل الزوج الثاني وهو يجر الأخت من شعرها)‏
زوج 2 : امشي قدامي، لن ترفضي لي أمراً.‏
الأخت : حرام عليك.. أنا أختك.‏
زوج 2 : لسانك صار طويلاً أكثر من اللازم، تتكلمين، تنتقدين، هذا صحيح وهذا خطأ، هذا أحبه وهذا لا أحبه.. ما شاء الله، صرت تخالفيننا باستمرار.‏
الأخت : أنا حرة.. أحب من أريد وأكره من أريد.‏
زوج 2 : (يضربها) أنت فاسدة، ستقبلين من نقبله، وترفضين من نرفضه.‏
الأخت : محال.. أنا أرفض من لا أقتنع به.. أنتم تبيعونني.. تبيعونني.. هل تسمع؟‏
البائع : (يقترب) لماذا تسوقُها هكذا كالغنمة يا أخ؟‏
زوج 2 : هذه أختي، متمردة، وأنا عازم على ترويضها.‏
البائع : ما أظن أن هذه الفتاة الجميلة في حاجة إلى ترويض، إنها عذبة كماء النبع (يشم رائحة شعرها) شعرها له رائحة الأرض بعد المطر.. لا.. لا يمكن أن تكون هذه الفتاة مخطئة.‏
الأخت : كيف أرضى وهو يرغمني على أن أكون جارية في قصره (لأخيها) إذا كنتَ قد رضيت بالخضوع له فأنا لا أرضى.‏
زوج 2 : مجنونة.. أريد أن تكوني زوجة له.. إنها صفقة يا سيدي.‏
زوج 3 : (يدخل) الأمير قادم، أسرعا، سيمر من هنا، (يفرك يديه)، لأول مرة نعقد صفقة رابحة (يجرها زوج 2، تقاوم، يعطيه زوج 3: حبلاً) خذ هذا العِقد هدية مني، أحضرته من مخزني مساهمة مني في تجهيز أختنا بمناسبة زفافها هيا أسرع.‏
الأخت : دعني.. يا لكم من أخوة أعداء.. مجرمين.‏
(يلصق زوج 3 لها فمها بلاصق).‏
زوج 3 : العمى.. تريد أن تفسد علينا كل شيء (صمت، والأخت تقاوم) أوه ما أروع السلام.‏
زوج 2 : رتب لها شعرها.. أخشى أن لا تعجب سيدي الأمير.‏
البائع : في الحقيقة أنتما مجرمان.‏
(يبتعد بعربته مشمئزاً، يدخل زوج 1: حاملاً محفظته).‏
زوج 1 : أرجو أن لا أكون قد وصلت متأخراً.‏
زوج 2 : هل أحضرت كل شيء؟‏
زوج 1 : معي كل الأوراق لعقد القران.‏
زوج 2 : (ينظر بعيداً) ها هو الأمير قادم.‏
زوج 3 : خذوا أماكنكم.. ابتسموا.. احنوا ظهوركم.‏
(يدخل الأمير، وهو القاضي، طويل جداً، بساقين طولهما غير عادي، ويمكن أن يتم ذلك بأن يسير على ساقين من خشب بحيث يبدو في ضعف ارتفاع الإنسان)‏
زوج 2 : سيدي الأمير، الماثل في الغياب والحضور، واهب الأمن والسلام بسيفك القاهر الصمصام، يسرني يا سيدي باسم القبيلة، وبالنيابة عن أخويّ هذين اللذين يقفان أمامك بكل احترام، وأخوتي الآخرين الذين لم يحضروا هذا المقام.. أن أقدم لك أختنا جاريةً في مطبخك.‏
زوج 3 : زوجناك أختنا يا سيدي.. اسألها إنها موافقة بل ممتنة.. سكوتها يعني قبولها نرجو لكما حياة سعيدة.‏
زوج 2 : أمسك رسنها جيداً يا سيدي، حاذر أن تهرب أو تضيع منك فهي بريئة وعذراء لم تخرج من البيت قط ولم تر الشارع في حياتها.‏
(يقدم لـه طرف الحبل الذي ربطت به، الأمير يمسك الحبل، يرمي للأخوة ثلاثة أكياس من المال، يجرها، الأخت تقاوم، الأخوان الثاني والثالث يدفعانها).‏
زوج 1 : انتظر يا سيدي.. انتظر.. أريد أن أعقد القران (يستمر الأمير في جر الفتاة، يحاول حامل المحفظة فتح المحفظة بلا جدوى، يعضها بأسنانه، يمضغ القفل، تتحول حركاته إلى حركات هستيرية، يخرج الأمير والأخت).‏
زوج 1 : انتظر يا سيدي.. انتظر حتى أفتح المحفظة، لا يمكن أن تأخذها هكذا.. حرام.. هذا زنا يا سيدي.. نحن لم نعقد القران بعد، أنت تزني بها يا سيدي.‏
زوج 2 : (يجره ويعيده إلى مكانه) دعنا من عقد القران.. إنه مجرد شكليات يا أخي هل تريد أن تفضحنا أمام الأمير.. عيب.. يا رجل.. عيب.. ماذا سيقول عنا..؟ متأخرون.. أوباش..‏
زوج 3 : نعم.. نعم.. عقد القران غير مهم.. المهم أنه دفع المبلغ المطلوب بأمانة كأي سيد نبيل.. إنه ابن السوق ولا شك.‏
البائع : (يقترب منهم ناظراً باحتقار) كم دفع لكم؟ (يمدون أيديهم بالمال، يتسمرون في استخزاء، يتحسس الأكياس) بعتموها بثمن بخس، دراهم معدودة.. يا لكم من مجرمين.. كانت تبحث عن حريتها فكممتم فمها وقيدتموها بالأغلال، وسقتموها إلى سجن القصر، كانت تريد أن تحقق وجودها.. فسحقتم شخصيتها كانت تعتز بكم فتخليتم عنها.. ماذا تفعلون بهذه النقود؟ (يدفع العربة في وجههم فيتراجعون) ماذا تفعلون بهذه النقود؟ (يحصرهم في زاوية المسرح) لن تجدوا من يصرف لكم نقود العار هذه.( يدفعهم بالعربة فيلقيهم خارج المسرح) لن تجدوا من يصرف لكم نقود العار هذه. . (يدور حول الساعة دورة كاملة، تدخل الزوجة).‏
الزوجة : هل مر ولدي من هنا؟‏
البائع : من ولدك يا سيدتي؟‏
الزوجة : طفل رضيع تكلم في المهد.. تصور.. تكلم في المهد.. أليس ذلك رائعاً؟‏
البائع : إذن هو شيطان أو نبي.. وبما أن النبوة انقطعت، فهو شيطان من غير شك.‏
الزوجة : ماذا تقول...؟ إنه قديس... تصور أنني كنت أحمله على يدي، وأضمه إلى صدري وفجأة قفز إلى الأرض وبدأ يكبر ويكبر ويكبر.. حتى غدا أطول مني، ثم عدا نحو الغابة وهو يقول: سأعود مع هبوط الليل لأغزو العالم، ويمتد سلطاني من الماء إلى الماء.‏
البائع : سيدتي.. أنا بائع متجول فقير.. لا أعرف شيئاً عن الملوك أو القديسين.. اعذريني..‏
الزوجة : ولكني لم أسمعك مرة تنادي على بضاعتك.‏
البائع : من يحتج إلى بضاعتي يأت إلي.. لا أكتمك سراً.. يقولون إن بضاعتي ممنوعة.‏
الزوجة : وماذا تبيع؟‏
البائع : حمضيات.. برتقال وليمون.‏
الزوجة : (تتناول برتقالة) ما هذه؟‏
البائع : برتقالة.‏
الزوجة : كلا.. كلا.. هذه قنبلة.‏
البائع : (يتناول سكيناً ويحاول تقشيرها) هذه برتقالة يا سيدتي.. انظري سأقشرها.‏
الزوجة : (تبتعد) احذر.. إياك أن تنتزع مسمارها.. ستنفجر.‏
البائع : (يعيدها إلى العربة) هل بضاعتي مخيفة إلى هذا الحد؟‏
الزوجة : مخيفة..! أنت تحمل النار في عربتك.. لو رآك ولدي لما تركك حياً.‏
البائع : اطمئني يا سيدتي.. إنهم يلاحقونني ويحاكمونني.‏
الزوجة : هل حاكموك فعلاً؟‏
البائع : نعم.‏
الزوجة : وهل القاضي طويل، شعره أسود، جميل، عيناه دعجاوان، ينطق بصعوبة؟‏
البائع : لم أر طوله، لكنه كما وصفت.‏
الزوجة : إنه ولدي.. آه ما أقسى الفراق.. منذ سنوات لم أره.‏
البائع : إذن ولدك يعمل قاضياً.‏
الزوجة : ليس دائماً (تقترب منه وتسر في أذنه) مهنته الأساسية طبيب روحاني، يحمل سوطاً، يخرج به الشيطان من جسم الإنسان.‏
البائع : (يصرخ) يعني جلاد!‏
الزوجة : لماذا تصرخ..؟ إنه مُخلِّص، عمله نبيل، يطرد الأرواح الشريرة من الأجساد.‏
البائع : (ساخراً) نبيل جداً.. ومخلِّص.. كان يجب أن تقولي هذا من قبل.‏
الزوجة : لم أقل كل شيء بعد.‏
البائع : وماذا بعد..؟‏
الزوجة : أنا مكسوفة لأني أسرد لك حياتي الخاصة.‏
البائع : لا.. لا.. تَحَدَّثي يا سيدتي.. يبدو أن حياتك الخاصة مهمة جداً بالنسبة لي.‏
الزوجة : في الحقيقة.. أنا لي ثلاثة أزواج.‏
البائع : ماذا.. ثلاثة أزواج في آن واحد.‏
الزوجة : نعم.. نعم.. أوه.. يجب أن لا أقول ذلك.. هذا عيب.‏
البائع : تابعي يا سيدتي.. لا عيب في ذلك.. ثلاثة أزواج قليلون.. باستطاعتك أن تتزوجي أكثر.. أنت امرأة متينة.. حدثيني عن أزواجك.‏
الزوجة : الأول مثقف، طويل، جميل، يضع نظارات على عينيه، أسميه حامل المحفظة، فهو يحملها دائماً، ومع ذلك لم أجده يفتحها على الإطلاق.. لا أعرف بالضبط ماذا يحمل فيها، يقول: فيها أوراق وبيانات ومشاريع وخطب ووثائق سياسية ومعاهدات وملفات دعاوى.. فيها الدنيا كلها.‏
البائع : نعم.. نعم.. أكاد أعرفه.‏
الزوجة : هذا الرجل رزقت منه غلاماً هو القاضي الذي عرفته.. لا شك أنه قاضٍ عظيم وأحكامه عادلة.. أليس كذلك؟‏
البائع : جداً.. القصة تشوقني.. هاتي الثاني.‏
الزوجة : الثاني.. آه يحيرني هذا الزوج.. إنه رجل غامض تارة أراه رجلاً أنيقاً يضع الغليون في فمه، وأخرى شحاذاً ثيابه ممزقة وثالثة يلبس لباس المماليك يأتيني وقد تقلد سيفه يضرب به أواني المطبخ في الليل فيسقطها ويحطمها قائلاً إنه يلحق الهزيمة بأعدائه.. ويجيئني رابعة وهو يلف وجهه بخمار فلا ترى غير عينيه.. وهكذا خامسة وسادسة.. إنه يا سيدي كالحرباء، يغير لونه باستمرار.‏
البائع : يا سلام.. وماذا يفعل.. أين يذهب؟‏
الزوجة : لا أعرف.. يقول لي باستمرار: عندي مهمة سرية.‏
البائع : وماذا رزقت من هذا الزوج؟‏
الزوجة : رزقت منه غلاماً مشوّهاً، كثيف الشعر، نصفه آدمي ونصفه وحش له عين واحدة، في يده سوط لا أدري ماذا يفعل به.‏
البائع : بل تدرين يا سيدتي، هل نسيت؟ ألا يعمل جلاداً؟‏
الزوجة : أظن ذلك.. (تتلفت) لكني لم أجد من المناسب أن أقول ذلك.. نسوة الحي يعيرنني، من المناسب أن أقول إنه طبيب روحاني.‏
البائع : هذا أعرفه جيداً.. والثالث.. حدثيني عن الثالث.‏
الزوجة : الثالث (انفجار في العربة، يتلوه انفجاران آخران، الزوجة تقفز مبتعدة في خوف) ما هذا؟‏
البائع : لا شيء.. لا شيء.. لا تخافي يا سيدتي (انفجار ثالث)‏
الزوجة : ثمة شيء في العربة.. ديناميت.‏
البائع : لا.. هذه برتقالات بفعل حرارة الشمس تمددت فيها العصارة حتى انفجرت، هل تحبين أن تذوقي عصارتها.‏
الزوجة : (في خوف) لا.. لا.. أنا خائفة.‏
البائع : تخافين وأنت وَلَدت مثل هؤلاء البنين..! إن تعامه التي ولدت التنانين والأفاعي لم تكن مثلك.. بلعزبول نفسه ليس لـه مثل أولادك.. تعالي يا سيدتي.. اقتربي وحدثيني عن زوجك الثالث.‏
الزوجة : (تقترب) زوجي الثالث تاجر، أمواله كثيرة، ملأ ساعدي بالذهب، في الحقيقة لا أعرف من أين يحصل على هذه الأموال كلها، لكني سمعت أنه يعقد صفقات غير مشروعة، وله صداقات مع أناس مهمين جداً.‏
البائع : واضح.. واضح.‏
الزوجة : جميع الناس يحترمونه.. كلمته لا تصير اثنتين عند الحكومة، حتى شرطة المرور عندما يمر بسيارته يوقفون السير حتى يعبر الطريق.. هل أقول لك شيئاً غريباً.. عندما يقترب من إشارة المرور الضوئية تنقلب فوراً من حمراء إلى خضراء.. لم يقف طيلة حياته عند شارة حمراء.. لا أعرف تفسيراً لذلك.‏
البائع : (ساخراً) ربما كان ينشر حوله ساحة كهرطيسية.. زوجك يا سيدتي طبق طائر لا يقف في وجهه شيء.‏
الزوجة : والله أنا أخاف عليه..‏
البائع : ولماذا تخافين عليه؟‏
الزوجة : أخشى أن يكون مخالفاً للقانون.. وكلما سألته: هل أنت متأكد من أنك لا تخالف القانون؟ كان يقول ساخراً من سذاجتي: يا امرأة.. كيف أخالفه وأنا القانون.‏
البائع : وماذا رزقت من هذا الزوج.‏
الزوجة : رزقت منه ولداً أسمر ضخماً اشتغل شرطياً سرياً، عيونه مكحلة واسعة، كل عين مثل الفنجان.‏
البائع : (جانباً) فليكفنا الله شر هذا الولد.‏
الزوجة : ماذا قلت يا سيدي؟‏
البائع : لا شيء.. لا شيء.. إذن لك ثلاثة أولاد.‏
الزوجة : كلا.. لي ولد واحد فقط.‏
البائع : ثلاثة بطون، وثلاثة أزواج، ثلاث شخصيات وولد واحد.. عجيب.‏
الزوجة : ولم هو عجيب..؟ في الحقيقة هو ولد واحد بثلاثة أوجه وستة أذرع، ثلاثة توائم سيامية في جسد واحد، ألا تصدق؟‏
البائع : بلى.. بلى أنا أصدق.. كل شيء يمكن أن يحدث في هذه الأيام.‏
(الزوجة تخرج.. البائع يدفع عربته ويدور حول الساعة).‏
البائع : الليل يبتلع العالم شيئاً فشيئاً، والرطوبة تنخر جسدي، والبرد يزحف في العظام.. أخشى أن لا أستطيع العودة إلى البيت، فأنا لم أبِع شيئاً ومفاصلي تجف. منذ زمن وأنا أحس بأن حركة الحياة تموت في مفاصلي، أخشى أن أتحول إلى قطعة من الحطب.. كجارنا الحطبي الذي كان يعمل إسكافياً عند منعطف الشارع.. كان كومة من إنسان.. تحطب جسمه كله، ولم تبق لـه إلا يداه يصلح بهما أحذية أهل الحارة.‏
هل أعود الليلة إلى أطفالي، إنهم ما زالوا ينتظرون عودتي، الأم أوصتني أن أحضر لها خبزاً ودواء.. الطفلة قالت لي: بابا رأيت في المنام أني آكل تفاحة.. تفاحة كاملة يا بابا.. ولدي الصغير الآن ينتظرني أمام الباب يغالب النعاس المتجمع في عينيه، يحلم بأنه يمد أصابعه الصغيرة في جيوبي بحثاً عن شيء مفقود.. وسيظل مفقوداً إلى أمد طويل.‏
كل مساء يسيطر عليَّ شعور غامض بأني لن أعود إلى البيت، سألت زوجتي مرة فقالت كل مساء يسيطر علينا شعور غريب غامض بأنك قد لا تعود، وأننا سنصبح وحيدين (يتطلع في الساعة) لم يصلحوا الساعة بعد.. ذاب الزمن من عقارب الساعة وأرقامها وتحول إلى إحساس كثيف بالخطر، كل شيء قد توقف.. إلا الموت فإنه يزحف في ثياب العتمة، أتوقع السقوط إثر كل خطوة (يدور بعربته دورة كاملة حول الساعة) كلما أكملت دورة أحسست بأني أولد من جديد، وأنهم تفضلوا عليّ بالحياة ومنحوني وقتاً إضافياً (صوت حركة) أحسب أنه جاء للتنفيذ (يهرب بعربته في حركة دائرية حول الساعة، يدخل شرطي باحثاً عنه.. تستمر الملاحقة لحظات، يغير الشرطي اتجاهه فجأة، فيواجه البائع تماماً).‏
الشرطي : أخيراً عثرت عليك.‏
البائع : أنت أيضاً (يحاول الهرب).‏
الشرطي : لا تهرب.‏
البائع : أنا لم أفعل شيئاً.‏
الشرطي : (يقهقه) لم تفعل شيئاً! لم يعد في المدينة باعة متجولون.. ثم.. ثم أنت تبيع بضاعة ممنوعة..‏
البائع : أنا..‏
الشرطي : نعم أنت.‏
البائع : اسمع أيها الشرطي.. أنت إنسان.. انس هذه الثياب لحظة (مشيراً إلى ثياب الشرطي) واعلم أن لدي أطفالاً ينتظرونني.‏
الشرطي : القانون.. هو القانون.‏
البائع : الإنسان هو الذي وضع القانون.. لِمَ تجعلونه إلهاً؟.. السادة الذين هم فوق وضعوا القانون بما يخدم مصالحهم.. وهم بعيدون عما يجري هنا.. تحت.‏
الشرطي : اسمع.. لدي أوامر بمنع الباعة المتجولين من ممارسة تجارتهم.‏
البائع : ولماذا؟‏
الشرطي : إنهم خطرون، أثناء تجوالهم يتجمع الناس حولهم، ولا تنس أنهم ثرثارون، يبيعون أشياء ممنوعة.‏
البائع : هكذا!‏
الشرطي : أجل.‏
البائع : ولماذا يقبل الناس على شرائها.‏
الشرطي : لعلها لذيذة ومفيدة.‏
البائع : إذن لماذا هي ممنوعة؟ ولماذا لا تبيعونها أنتم؟‏
الشرطي : اسمع.. لا تجرني إلى المناقشة.. عندما يقال لي افعل ذلك.. أفعل.. لا أسأل ماذا يعني ذلك؟‏
البائع : أنت إذن مجرد أداة.. إنسان آلي.‏
الشرطي : تحتقرونني جميعاً.‏
البائع : لا أحتقرك فحسب.. أنا أكرهك..‏
الشرطي : حتى رؤسائي لا يعاملونني كإنسان.‏
البائع : لأنك حذاء يلبسه السادة.‏
الشرطي : لا أسمح لك بإهانتي.‏
البائع : أنا لا أهين أحداً.. أنا أقول الحقيقة.. يجب أن تدرك هذا.‏
الشرطي : بل أدرك ما سأفعله.. سأنتزع عينيك، (يهجم عليه.. البائع يبتعد).‏
البائع : لن تمسك بي.. صحيح أني مصاب بداء المفاصل إلا أنك أعجز من أن تلحق بي فأنا أتحرك من تلقاء ذاتي.. أما أنت فتتحرك بإرادة الآخرين.. تدافع عما لا تؤمن به.‏
الشرطي : تكذب.‏
البائع : ليست لك قضية تحيا من أجلها.‏
الشرطي : تكذب.. تكذب.‏
البائع : تأكل.. تشرب.. تضرب.. كما الحيوان تعيش بغرائزك.. لا تفكر.‏
الشرطي : اصمت.. اصمت وإلا.‏
البائع : وإلا ماذا؟ أنت لا تتحرك أبعد من الطاقة الصغيرة التي شحنت بها، ولا تسير إلا على الدرب الذي وضعت فيه.. أنت تنين صغير تعيش مرحلة عماء على سطح ماء آسن.‏
الشرطي : كلا.. كلا.. أنا أفكر..‏
البائع : عندما تفكر ستقلق، وعندما تقلق ستبحث، وعندما تبحث ستجد الحقيقة.. لكنك يا صاحبي لا تفكر.. (يصرخ) أنت ظلمة.. والظلمة لا تفكر.‏
الشرطي : اخرس.. لا ترفع صوتك أمام هيئة رسمية.‏
البائع : هكذا إذن.. (صمت، الشرطي يبحث في العربة) طال السكوت.. إلى متى نصمت؟ ما الذي سيحدث إذا تكلمنا أكثر مما يحدث في الصمت؟ الخوف يلجمنا.. والخوف وهم.. وهم أكثر منه حقيقة.. المشكلة أن خوفنا أكبر من قلقهم، وعندما يصبح قلقهم أكبر من خوفنا سينفجر كل شيء.. كل شيء. (صمت)‏
الشرطي : أين أخفيته؟‏
البائع : عم تبحث.‏
الشرطي : آه.. لقد وجدته (ينتزع الميزان من العربة، كفتاه جمجمتان، يطلق ضحكة وحشية) الميزان مصادر.‏
البائع : لا.. لا تفعل.. أريد أن أبيع بضاعتي.‏
الشرطي : لن تبيع شيئاً.. بعد قليل تأتيك سيارة الجمارك فتصادر العربة كلها، ثم ترميك للكلاب تنهش لحمك، سننظف هذه الساحة تماماً وندعو السياح ليروا كم هي نظيفة مدينتنا.. خذ.. (يدفع العربة باتجاهه في قوة ويخرج، صمت، البائع يدور بالعربة، تدق الساعة دقات قوية، يسبق الصوت في كل مرة التماع ضوئي في ميناء الساعة، يصاب البائع بحالة رعب، يدفع عربته دائراً حول الساعة ملتجئاً إلى أركانها، الصوت يهدأ، صمت مشوب بالحذر والتوجس يتقدم البائع بعربته إلى الأمام).‏
البائع : (في خوف) سيعودون.. أسمع وقع خطواتهم، لن أستطيع العودة إلى داري هذه الليلة، ينام طفلي على الرصيف، ويتحول الانتظار في عيني طفلتي شوكاً، آه يا حبيبتي.. يا زوجتي.. يا أمي.. ماذا أستطيع أن أقدم لك وأنت على فراش المرض.. ماذا أستطيع.. إنهم قادمون.. وجراح الليلة الفائتة في ظهري توقظها خطوات الجراح القادمة.‏
سيجلدونني هذه الليلة أيضاً، لكنني لن أصرخ.. أدمنت الألم يا حبيبتي.. أستطيع أن أتحمل مطراً من السياط والنار ولكني لا أستطيع أن أتحمل نظرة حزينة تسيل من عيني طفل ينتظر والده على الرصيف وهو يرتجف من البرد في الليل الموحش المظلم..‏
أواه يا حبيبتي..‏
عندما يطلع الصباح الجديد، وينعقد السوق، سأبيع بضاعتي وآتيك بالرغيف والدواء.. وبالحياة.. سأحمل إلى الأطفال شمساً جديدة دافئة.‏
حبيبتي.. انتظري.. لا تذعني للموت، قاومي ليلة أخرى.. أنا قادم مع الصباح.. مع الصباح يعود الغرباء.. (صمت، يدور حول الساعة، يدخل الأزواج الثلاثة والزوجة من جميع جهات المسرح في حركة تشبه الحصار).‏
الزوجة : هذا هو.. لقد وجدته.. تعالوا يا أزواجي الأعزاء.‏
زوج 1 : هل تبيع برتقالاً وليموناً؟‏
البائع : (متراجعاً في رعب) نعم.. نعم.. أنتم تعرفون ذلك.. كلهم يعرفون ذلك.‏
زوج 2 : منذ متى وأنت تبيع البرتقال؟‏
البائع : منذ أن كنت صغيراً.. هذه مهنة ورثتها عن جدي.. كنت أزرعه من قبل.‏
زوج 1 : لم أنت خائف؟ نحن أصدقاء.‏
البائع : كلا.. كلا.‏
زوج 2 : هل ترفض صداقتنا؟‏
البائع : دعوني وحدي.‏
زوج 1 : هل تنتظر أحداً؟‏
البائع : كلا.. ولكن ثمة من ينتظرني هناك.‏
زوج 2 : ومن هذا الذي ينتظرك هناك.‏
البائع : أسرتي..‏
زوج2 : آ.. ظننت...‏
زوج1 : أنت تبدو مضطرباً.. هل أنت خائف أم حزين؟‏
البائع : لقد خفت بما فيه الكفاية.. أنا حزين.. حزين فعلاً.‏
زوج1 : (للثاني) تعال نخفف عنه الحزن.‏
زوج2 : هل نرقص له؟‏
زوج1 : كلا.‏
زوج2 : نغني.‏
زوج1 : كلا.‏
زوج2 : نلقي عليه خطبة.‏
زوج1 : كلا.. كلا..الخطب والبيانات ما عادت تفرح أحداً.‏
زوج2 : هل نعوي؟‏
زوج1 : لن يشفيه العواء.. ألا تراه.. إنه حزين جداً.‏
زوج2 : ماذا نفعل إذن؟‏
زوج1 : فكر معي.. لابد أن ننقذه من آلامه.‏
زوج2 : ما رأيك.. نصنع له أرجوحة؟‏
زوج1 : آه، قلتها والله.‏
(يختطفان الحبل المعلق على الساعة، والمجهز بعقدة الشنق في وسطه، يشدانه من طرفيه، يقربانه من وجهه.. البائع يتراجع خائفاً).‏
زوج2 : هيا.. ألا تريد أن تلهو قليلاً؟‏
زوج1 : نريد أن نسري عنك يا رجل.‏
زوج2 : ضع رقبتك في العقدة. وتأرجح.. ستشعر بالمتعة.‏
(يتراجع البائع إلى الوراء فيصطدم بالزوج الثالث الذي دخل حديثاً يلتفت فيفاجأ به..)‏
زوج3 : هل أنت خائف؟‏
البائع : خائف.. آه.. ربما.. قليلاً.‏
زوج3 : ماذا تفعلان؟‏
زوج1 : صنعنا له أرجوحة. وهو يرفض امتطاءها.‏
زوج3 : الحبل متين.. إنه من مخزني.. لا تخش شيئاً، إنه لن ينقطع.‏
زوج2 : لن يستغرق الأمر أكثر من دقائق وتنتهي أحزانك.‏
البائع : لا.. لا أريد.. ابتعدوا عني.. أكاد أختنق.‏
الزوجة : (تدخل) ابتعدوا عنه.. أليس في قلبكم رحمة؟ (يبتعدون، تقترب منه) هل تتزوجني؟.. هيه.. أبعد الحبل عنه.. ستكون أجمل أزواجي.‏
البائع : ولكني متزوج وعندي أولاد.‏
الزوجة : لا يهم.. إذا تزوجتني فلست بحاجة إلى اعتلاء هذه الأرجوحة.. فكر بالأمر.‏
البائع : ابتعدي عني.. أنت امرأة شريرة، لا تلدين غير المشوهين.. أنا لا أتزوج ثعلبة.‏
الزوجة : كيف تجرؤ.. أبنائي يتكلمون في المهد كما المسيح.‏
البائع : أبناؤك كلهم لصوص ومجرمون وعهرة.. أبناؤك جلادون دجالون مستغلون.. أبناء زنا.. لقد ذقت منهم ما يجعلني أعرفهم جيداً.‏
الزوجة : أيرضيكم هذا.. أيرضيكم أن أُهان أمام أعينكم يا أزواجي.. أليس فيكم صاحب نخوة؟‏
(يقتربون منه في حركة دائرية، يضعون الحبل حول رقبته)‏
زوج1 : هيا تأرجح.. لماذا لا تتأرجح؟‏
زوج3 : أنظروا كم هو جميل.‏
زوج2 : هيا اعترف.. إذا لم تعترف ستطير أظفارك.‏
البائع : أرثي لكم.. أنتم تقتلون أنفسكم بقتلي ولا تدرون.. يا لكم من حمقى، عندما أجلد تجلدون جميعاً.. ألا تذكرون..؟ في ساحة الحيّ كنا نجتمع حول النار المشتعلة التي لم تكن تنطفئ أبداً.. وكنا نقضم أرغفة سوداء ونحلم بدمى وشواء.. آه.. لكنكم لا تذكرون ولا تفهمون.‏
(يُطرق الأزواج رؤوسهم في خجل)‏
زوج1 : نحن حزينون جداً وآسفون.. سأسجل ذلك في إضبارة الدعوى حالما أجد مفتاح المحفظة.‏
زوج3 : أما أنا فسأبرق إلى كافة عملائي كي يأخذوا عبارات من كلمتك الرائعة ويضعوها في إعلانات الدعاية لبضائعي.‏
زوج2 : (يلف الحبل بسرعة حول الساعة بحيث يصبح البائع مقيداً به إلى الساعة) نحن مضطرون لأن نفعل ذلك.‏
زوج1 : أجل نحن حزينون من أجلك.‏
زوج3 : حزينون جداً لكننا مضطرون.‏
زوج2 : في الحقيقة، حان وقت تقديم الضحية.‏
زوج1 : أنت تعلم أنه لا يرحم.‏
زوج3 : أجل لا يرحم.. خاصة عندما يكون جائعاً.‏
زوج1 : وهو دائماً جائع.‏
زوج2 : إذا لم نقدم له ضحية كل مساء فإنه يفترسنا، ويفترس سكان المدينة جميعاً.‏
زوج3 : يجب أن تفخر بأننا اخترنا قرباناً مقدساً.‏
زوج1 : من جهتي سأرثيك بقصيدة عصماء أضمها إلى ديواني الذي أحفظه هنا (مشيراً إلى المحفظة).. وسأسجل اسمك في سجل التاريخ.. فأنا أعيد كتابة التاريخ من جديد.. ومن خلال منظور أيديولوجي متطور جداً.‏
زوج2 : للأسباب السابقة.. وحفاظاً على الجنس البشري من الانقراض، قررنا أن تكون القربان هذا ضروري من أجل السلام.‏
زوج1 : وقوانين المدينة تفرض تقديم الأضحية في موعدها.. هذا مكتوب في مجلة القانون، والمجلة هنا في المحفظة.. إذا كنت لا تصدق فإنني مستعد أن أطلعك على ذلك.. فقط لو أجد المفتاح.‏
زوج3 : أعتقد أننا وفقنا في إقناعك.. البطولة شيء عظيم.. يجب أن تشكرنا لأننا سمحنا لك بهذه التضحية العظيمة.‏
الأزواج : هيه.. ماذا قلت..؟‏
البائع : تفوه.. يا لكم من سفلة.‏
زوج2 : حيوان.‏
زوج1 : ناكر للجميل.‏
زوج3 : أحمق، ستضيع صفقة رابحة.‏
الزوجة : (تقترب منه) ابتعدوا عنه.. يا لكم من قساة (تخاطبه) قل لي ماذا تريد قبل أن تذهب إلى الموت بسلام.‏
البائع : لا شيء.. اغربي عني أيتها المرأة.‏
الزوجة : (تقترب منه) ألا تريد أن تمارس الحبّ.‏
البائع : قلت لك: اغربي.‏
الزوجة : مازلت أستطيع أن أنقذك.‏
البائع : لا أريد.. لا أريد.‏
الزوجة : ترفض عرضاً كهذا.. لابد أنك قديس أو مجنون.‏
(يجتمع الثلاثة حول العربة، يتناولون منها أكياساً من الورق ويملؤونها من محتويات العربة).‏
البائع : ماذا تفعلون؟‏
زوج2 : البضاعة مصادرة.‏
البائع : ليس معكم أمر بالمصادرة.. أنتم تسرقون بضاعتي.‏
زوج2 : ما انتفاع ميت ببضاعة ممنوعة.‏
البائع : هذه ليست بضاعة ممنوعة، .. هذه..‏
زوج1 : برتقال.. وليمون.. نعرف ذلك.. أيها السيد نحن لا نسرق بضاعتك.. أنا رجل قانون، والسرقة جريمة يعاقب عليها القانون.. نحن نشتري بالدين، وسندفع لك الثمن فيما بعد.‏
البائع : لصوص.. لصوص.. ابتعدوا عن العربة.‏
الزوجة : إذا كنت تريد أن تنقذ عربتك قبلني أمامهم، سيتركون العربة وينصرفون.‏
البائع : لي زوجة أحبها وأولاد أنتظر لقاءهم.. هل تفهمين؟‏
الزوجة : حسن أنت تجني على نفسك.. هيا يا أزواجي الأحباء.. لا تتركوا شيئاً في العربة‏
(تبتعد عنه، تقف أمام العربة، تشترك في نهب البضاعة)‏
زوج3 : (يطلق صرخة) انظروا.‏
زوج1 : ما هذا؟‏
زوج3 : رأس طفل (يضعه في الكيس).‏
زوج2 : آه.. أصبحت اللعبة مسلية.. كنت أعلم أنه يخفي في العربة شيئاً.‏
البائع : دعوا طفلي أيها القتلة.‏
الزوجة : ابحثوا عن الأطراف.‏
زوج1 : هذه يد (يضعها في الكيس).‏
زوج2 : وهذه يد أخرى.. انظر كم هي صغيرة، بيضاء، ناعمة. (يضعها في الكيس).‏
البائع : (يحاول أن يخلص نفسه من الوثاق) مجرمون.. مجرمون.. لماذا تمزقون طفلي الصغير؟‏
زوج3 : ها.. لقد عثرت على قدم.. هذه قدم يمنى.. أية قدم رائعة هذه.‏
زوج1 : أمس شربنا الشمبانيا بكؤوس مصنوعة على شكل أقدام صغيرة.‏
زوج2 : الظهور تذكرني بالسياط.. والأقدام تذكرني بالعصا.‏
زوج1 : هذه هي القدم الأخرى.. يا لها من قدم رائعة فعلاً.‏
البائع : أيها القتلة.. أعيدوا الطفل.. أعيدوه إلى صدر أمه.‏
الزوجة : دعونا ننصرف قبل أن يأتي ذو العين الوحيدة.‏
زوج2 : لا تنسوا الرأس.. سنشرب به الليلة خمراً.‏
(يبتعدون عن العربة ويخرجون)‏
البائع : طفلي.. طفلي.. أعيدوا طفلي أيها اللصوص (يجاهد في تخليص نفسه) سرقتم ولدي، مزقتم جسده، ماذا أقول لزوجتي عندما أعود وتسألني عن طفلها هل أقول لها أعمامه يأكلون لحمه؟‏
يجب أن تخجلوا مما تفعلون.. أعيدوا إليّ ولدي، أعيدوا إلي ولدي (صمت) لا فائدة، بيني وبينكم بيادر ليل، ترمدت المشاعر وتحطب الدم، فمتى يورق في أعماقكم القهر؟ كيف تستطيع معدتكم أن تهضم لحم الأطفال، كيف تستطيعون أن تناموا وعلى شفاهكم دبق من دمهم المقدس.‏
(صمت) لا فائدة.. سيأتي بعد قليل لم يخلف موعده فقط، سأقاوم ليلة أخرى، ليلة أخرى من العذاب.. وفي كل ليلة أفقد طفلاً.. لكن لن ينتهي كل شيء.. مازلت أعيش.. ولن أستسلم.‏
هيه.. اسمعوا، أحذركم.. أنتم تحملون ناراً.. هذا الذي سرقتموه سينفجر وتتحولون إلى كومة من اللحم والدم (صمت، ينتحب) أنتم لا تفهمون (صمت تام، وقع خطوات) أسمع وقع خطواته.. أقدامه تدق الأرض.. ذو العين الواحدة يقترب.. لقد عاد من جديد.. لا.. لست خائفاً.. لكن.. أما لهذا العذاب من نهاية؟‏
(يدخل الجلاد وتابعه بلباس السيكلوب، يشرعان بجلد البائع، يدخل الأزواج والمرأة ويقفون في الركن القصي من المكان، تتجمد حركتهم على وضعيات تعبيرية مختلفة، مع الجلد والعد تتالى الانفجارات من داخل العربة، البائع يتلقى الضرب في صمت تام، ومن غير ألم).‏
الجلاد : مئة وخمسون.‏
التابع : مئة واحدى وخمسون.‏
الجلاد : مئة واثنتان وخمسون.‏
التابع : مئة وثلاث وخمسون.‏
الجلاد : مئة وأربع وخمسون.‏
(الانفجارات تشتد في العربة)‏
التابع : مئة وخمس وخمسون‏
الجلاد : مئة وست وخمسون‏
(مع تتالي العد والجلد تخفت أنوار المسرح، وتسمع دقات مبهمة مضطربة متباعدة لساعة كبيرة مختلطة بوقع السياط. تبدأ الستارة بالهبوط في بطء ثم تتوقف عندما تندفع الأخت داخلة، شعثاء الشعر، ممزقة الثياب، حافية، على قدميها وكفيها وجسمها طين الأرض).‏
الأخت : لا.. لا يمكن أن أعيش معه.. لقد هربت.. قفزت من فوق الأسوار.. أنا لا أباع، لا أباع.. هل فهمتم. لا شيء يمنع عني حريتي.. لا شيء.‏
استيقظوا أيها الناس، استيقظوا.. ألا تسمعون وقع السياط.. ألا تحسون الدم يتفجر من ظهوركم.. ألا تشعرون بالألم؟‏
(تهزهم بقوة) يا جذوعاً من حطب تحركوا..‏
يا أهل الكهف، يامن تعيشون في الرطوبة والظلمة، أزيحوا صخرة الزمن عن مدخل الكهف ولتدخل الشمس.. فلتدخل الشمس التي تغمر الكائنات إلى كهفكم..‏
(تهزهم بقوة.. تقترب من البائع وتلامس ظهره في حنو) إلى متى تستمر هذه المأساة؟‏
(تواجه الجمهور) أنتم أيها المعذبون.. استيقظوا.. واحملوا آلامكم ناراً (تصرخ) استيقظوا.. ( يتحول صراخها مع خبوّ الأنوار إلى نداء عميق مؤثر استيقظوا.. قبل أن تغرب عن أرواحكم الشمس.‏
(تتهالك على الأرض وتتكوم على نفسها.. يسقط ضوء خفيف عليها فتبدو كصخرة من بازلت).‏
- ستارة شفافة تهبط في بطء-‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق